نزول النقطة- الاستمرارية والتغير في مصر


 

جمال الغيطاني هو أحد حبات عقد ثمين من المتبحرين في مصر بعشق.  هو عندي مثل د. جمال حمدان ود. نعمات أحمد فؤاد ود. وسيم السيسي وغيرهم من أولئك الذين يعرفون مصر حتى النخاع.  نزول النقطة- جمال الغيطانيوبالبلدي “يعرفون أصلها وفصلها”.  تجد نفسك لا تملك إلا أن تهرع إليهم وقت الأزمات، خاصة عندما تشعر أن ملامح هذا البلد قد بدأت في الذوبان.

“نزول النقطة” كتاب يبحث في أصل الأشياء.  وكل شيء يبدأ بنقطة .. هي نقطة البداية.

يعرض بداية شيء ما في مصر في عصر ما واستمراره عبر عصورها الكثيرة والممتدة.  تجده يوضح علاقات –قد تبدو غريبة للبعض- بين أشياء تفصل بينها قرون طويلة.  فما العلاقة بين قصة أوزوريس والسيد المسيح وسيدنا الحسين؟

يقول: “دائما أحاول رؤية الأشياء بعيني الإنسان في زمن لم أعرفه، لم أسع فيه,  لكن عند أي زمن أتوقف؟”

ما سر الدائرة التي هي عنصر أساسي في الزخارف المصرية قبطية أو اسلامية أو يهودية؟

ما ذلك الهرم بما يتسم به من “التدرج الدافق المنبئ بالحركة، وبالزيادة التي ستصير إلى نقصان، أحد أهم معالم الرؤية المصرية”؟

يحدثك عن “اللغة المصرية القديمة والخط الهيروغليفي تحديدا والذي كان يعرف بين  العرب بقلم الطير لتكرار صور الطيور به.”

يحدثك عن الأم التي تملس على جبين طفلها وهي تردد اسم الله قائلة: “اسم الله عليك وعلى خيّتك اللي أحسن منك” والمقصود هنا القرين، وهذا معتقد مصري قديم.  فلكل منا قرينه الذي لا يرى يعيش في وجود ما غير مرئي.  وما يجري له في المنظور يجري لقرينه في اللامنظور، لذلك كانت الأم تذكر اسم الله بالنسبة للاثنين.”

هل تعرف أن “تحوت أول مهندس ومبتكر للطب وأول من تفلسف والذي يعرفه اليونانيون بهرمس الحكيم” وهو سر تسمية الطبيب في العامية المصرية ب”الحكيم”.

يجيبك على أصل تسمية بلدان مثل أبو صير وأبيدوس وأخميم وغيرها.

انها رحلة قطعها الغيطاني في تاريخ مصر منذ نقطة البداية باحثاً عن عناصر التغير والاستمرارية في مصر، لعلنا نفهمها.

الكتاب 136 ص- صادر عن دار أخبار اليوم

ماذا تنتظرون من أرض أُطفئت نجوم سماءها؟!


صورة

ظلام دامس وبرودة تسري في البدن.   الجسد منهك من كثرة السير.  والسماء معتمة بلا نجوم. حتى القمر اختفى وراء سحب داكنة.  صخب في كل مكان.  الكل يتخبط على غير هدى  فيرتطم بعضهم ببعض ويصرخ في شبح الآخر، الذي لا يراه في الظلام.

خيم اليأس على السائر،  فقد حاول جاهدا أن يفرك عينيه لعله يرى أثر نور ولو من بعيد فلم ينجح.  ظل يسأل نفسه كثيراً: “ماهذا الذي أنا فيه؟!  بل ما هذا الذي كلنا فيه؟  أنا لست وحدي في تيهي.  بل نحن كُثُر.  ماذا فُعل بنا؟   لماذا انطفئت نجومنا؟” 

ولكنها لم تنطفئ،  بل أُطفئت.  نعم .. بفعل فاعل.   عاد بذاكرته إلى الوراء مستعرضاً كل مرة من تلك المرات العديدة التي شهد فيها مولد نجم في سمائه.  كان يفرح لهذا المولد وينتشي، فهذا يعني مزيدا  من النور في الطريق، وتيسيرا أكبر للوصول.  وانسابت ذاكرته لتصل به إلى المرة تلو المرة التي كان النجم الوليد يُبتلى فيها بمن يطفأه بوسيلة أو بأخرى.  فمنهم من يرميه بطلاء قبيح،  ومنهم من ينفث في وجهه رماد الحريق،  ومنهم من يتكاثف حوله كذباب المستنقعات حتى يشوش على ضوئه الساري إلى الأرض.  كل يفعلها بطريقته. 

لم يفهم آنذاك لم يفعلون هذا!  وفي غمرة أحداث الحياة، لم ينتبه إلى أن أضواء السماء بدأت تخفت شيئا فشيئا دون أن يشعر هو ومن حوله.  فالكل يسير سعيا في طريقه، مشغولا بمحطة وصوله.  وهو مثلهم، لكن عقله بدأ ينشغل بالظلام الزاحف ببطء خاصة عندما شعر بأن تخبط من حوله واصطدامهم ببعضهم البعض يتصاعد بشكل مزعج، ولا يبدو عليهم الانتباه إلى هذا الأمر أو إلى سببه.   

وبعد فترة ليست بالقصيرة، وبعد أن زاد الصدام حتى تحول إلى عراك وجروح وضحايا، انتبه الجميع إلى ان الظلام يخيم على الكل.  نظروا حولهم لم يروا إلا سواد الليل.  نظروا إلى السماء وجدوها منطفئة.  وسرت الهمهمات المتسائلة، وعلت الأصوات وتحول بعضها إلى صرخات وشكاوى ومزيد من العراك.  الكل يسأل:  “ماهذا الظلام؟!  وإذا كانت السماء خالية من القمر فهل تخلو أبدا من النجوم؟”

نظر السائر إلى الأشباح المتعاركة وقال في نفسه: “وماذا ننتظر من أرض أُطفئت نجوم سماءها؟!  لو أننا أخذنا على يد أولئك الذين أطفئوها، ما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن!

إذا  انتُهكت كل قدوة، وشُوه كل مثل أعلى، وسُخر من حق البشر في أن يكون لهم رمز يحترمونه، وعشنا بين التحقير والتخوين لكل نجم يعلو في سماءنا يريد أن يهدينا الطريق. فعلام الاستغراب الآن؟!

 

تأملات في حياتنا- د. عزة العشماوي


عزة العشماوي، تأملات في حياتنا، مكتبة الشروق الدولية

عزة العشماوي، تأملات في حياتنا، مكتبة الشروق الدولية

 

انضمت عزة العشماوي إلى قائمة كاتباتي المفضلات بكتابها هذا “تأملات في حياتنا”.  هذا الكتاب الصغير الذي قد لا يلفت انتباه البعض.  وإن كانت د. عزة العشماوي معروفة بترجمتها لكتاب “الرجال من المريخ والنساء من الزهرة” – طبعة دار الهلال. وهي أفضل ترجمة عربية لهذا الكتاب-في رأيي.

هي من أصحاب المنطق المحترم والقدرة على التعبير بسلاسة عن أفكار عميقة.

تكمن براعة الكتاب في انه مناسب لكل الأعمار، فهو يخاطب الجميع وإن كانت النساء ستستفدن منه أكثر.  تناولت فيه موضوعات حياتية كثيرة بداية من اختيار الزوج أو الزوجة لتربية الأطفال مرورا بالتدخل في حياة الأبناء وحتى الملل وفقدان الهوية.

ثلاثون موضوعا قصيرا تحفل بهم حياة كل واحد منا، أبدت فيهم وجهة نظرها التي أرى أن أكثر مايميزها هو عمليتها. فهي تتكلم في الصميم؛ لا شعارات ولا رومانسية مفرطة ولا واقعية جافة.

في الكتاب عبارات كثيرة تستحق الاقتباس، أكتفي بواحدة فقط هنا:

“ليس المطلوب منك أن تبرع في العمل الذي تؤديه، المطلوب منك أن تؤدي العمل بإخلاص قدر طاقتك، ليس المهم أن تكون الأول أو الوحيد، لكن المهم أن تكون جزءا من الجماعة، جماعة يقدم كل من فيها ما يمكنه.  قد تنجح أحيانا وقد تفشل مرات، لكنك على الأقل ستظل على قيد الحياة،  إنسانا لوجوده معنىً، إنسانا ترك أثراً، ولو قليلاً على طريق الحياة.”

باختصار.. هو كتاب يستحق القراءة.  وما أن تبدأ فيه حتى ستجد صفحاته تفر سريعاً بين أناملك.

الكتاب 168 صفحة- الناشر: دار الشروق الدولية

هل تذكرون أحداث شغب انجلترا 2011؟


London riots, summer 2011

ألجأتني الأحداث الحالية في مصر إلى البحث فيها لأخرج ببعض نقاط كنت أجهلها:

(من ويكيبيديا):

-   سبب  الشغب هو مقتل شاب أسمر (29 عاما) برصاص الشرطة في الرابع من أغسطس 2011، ثم قيام مظاهرة احتجاجية اتجهت نحو قسم الشرطة حيث قامت فيها فتاة في السادسة عشر من عمرها بمهاجمة قوات الشرطة لفظيا وألقت عليهم زجاجة شامبانيا فتم اعتقالها.  واندلعت أحداث العنف بعدها.

-   في الثامن من يناير 2014 أقرت المحكمة بأغلبية 8 محلفين ل2 بقانونية قتل الشاب الأسمر (أي ظلت القضية منظورة في المحكمة حوالي 29 شهر، على الرغم من أن باقي أغلب المحاكمات تمت بسرعة لدرجة أن المحاكم كانت تعمل حتى ساعات متأخرة ليلاً)

-   الأحداث قامت بين 6-11 أغسطس.   وحتى يوم 15 أغسطس تم اعتقال 3100 شخص، أدين 1000 منهم.

-   أُسندت مهمة اصطياد المشاغبين والناهبين لعدد 450 مخبر.

-   بعض المحاكم طُلب منها من قبل قضاة كبار  بالتعامل بقسوة مع التجاوزات التي تمت خلال الشغب. ومضمون هذا الطلب هو أن تتجاهل المحاكم الخطوط الاسترشادية الحالية للأحكام وأن تصدر أحكاما قاسية. حتى ان بعض المحامون شكوا من رفض المدعي العام  للكفالة في قضايا كثيرة- على غير ما هو معتاد.

-   حكم على رجلين بالسجن 4 سنوات لتحريضهما على الشغب عبر الفيس بوك. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم، وعلق القاضي بقوله: “فرض عقوبات قاسية الغرض منه العقوبة والردع”

-   “دعت الجارديان في مقالتها الافتتاحية يوم 9 أغسطس 2011 عموم الشعب إلى دعم الشرطة بقولها “… أصبحت أعمال الشغب في بريطانيا سجالا بين الفوضى والنظام.  وعلى الرغم مما في هذا السجال من محاذير هامة، إلا أن هناك جانب واحد فقط صحيح هو الذي يجب أن يقف المرء في صفه.  فالأعمل الهجومية والتدمير والإجرام وتسيّد الخوف هي أمور لابد  من وقفها. ينبغي علينا لا أن ندافع فقط عن سيادة القانون في مدن بريطانيا ضد التدميرالجامح، بل وفرضه قسرا.”

—–

تعليقي الوحيد: لسنا وحدنا كما كنا نتصور!

المقولة الشهيرة التي لم يقلها كاميرون!


 

بحثت عن خطاب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي ألقاه يوم 15 أغسطس 2011 بعد أحداث الشغب، سعيا وراء العثور على عبارته الشهيرة:David-Cameron-EU-summit-B-007

“عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي لبريطانيا فلا أحد يكلمني عن حقوق الإنسان.”

تلك العبارة التي يتناقلها الكثيرون على شاشات التليفزيون منذ فترة ليست بالقصيرة، ليتضح في النهاية أنه لم يقلها!  لدرجة ان السفارة البريطانية أصدرت بيانا تنفي فيه أن يكون رئيس الوزراء قد قال مثل هذه العبارة.

ما علينا.. بقدر ما خاب ظني لعدم عثوري على ما كنت أبحث عنه، بقدر ما أثار انتباهي باقي الخطاب، واعتبرته علامة استرشادية هامة لنتأملها في هذه الأيام.  وفيما يلي بعض مقتطفات من هذا الخطاب:

-   “لأن هذه هي بريطانيا.  هذا البلد العظيم وأهله الطيبون. إن هؤلاء السفاكين الذين رأيناهم الأسبوع الماضي لا يمثلوننا ولا يمثلون شبابنا كما انهم لن يتمكنوا من جرنا إلى الهاوية.

والآن وقد خمدت النيران وانقشع الدخان تظل هناك أسئلة معلقة تحتاج إلى إجابة: “لماذا؟ وكيف لهذا أن يحدث في شوارعنا وفي بلدنا؟”

لا يجب أن نبالغ في تبسيط الأمور بطبيعة الحال. ..

…. هذا الشغب لم يكن حول العِرْق، فالجناة والضحايا من البيض والسود والآسيويين.   هذا الشغب لم يكن بسبب تخفيضات الحكومة، فقد كانت موجهة ضد المحال التجارية في الشوارع الرئيسة وليس البرلمان.  هذا الشغب لم يكن بسبب الفقر، ففي هذا إهانة للملايين ممن يستحيل أن يخطر ببالهم-مهما لاقوا من مصاعب- أن يتسببوا في معاناة الآخرين بهذا الشكل.

كلا، فهذا الشغب سببه السلوك.  سلوك أناس لا يبالون بالصواب والخطأ.  أناس من ذوي الأخلاقيات الملتوية.  أناس يفتقدون تماما لضبط النفس.

سيقول البعض: وما للساسة بالسلوك؟  وما الذي يعطيهم الحق في أن يحاضروننا؟

ولكن خجل الساسة من قول الحق عن السلوك والأخلاق هو في الحقيقة الذي تسبب فيما نراه حولنا من مشكلات اجتماعية…

“عش ودع الآخرين يعيشون” أصبح معناها: افعل ما شئت.

في حقيقة الأمر إن ما رأيناه في الأسبوع الماضي من الحياد الأخلاقي وذلك القدر من النسبية يجعلنا نعلم انهما لن يفيدا بعد الآن.

واحد من أكبر الدروس التي تعلمناها من هذا الشغب هو اننا يجب أن نتحدث بأمانة عن السلوك ثم نتصرف بعدها.  لأن السلوك السيء قد وصل –بكل ما تعنيه الكلمة- إلى أعتاب بيوت الناس…

أقول وأكرر ما سبقت وقلته طوال السنوات السابقة: إن سبب وجودي في عالم السياسة هو بناء مجتمع أكبر وأقوى,

عائلات أقوى، وجماعات أقوى،  ومجتمعات أقوى .

السؤال الذي تردد مرارا وتكرارا طوال الأسبوع الماضي هو: “أين الآباء؟  لماذا لا يمنعون أبناءهم من ممارسة الشغب؟”   بل إن بعض القضاة تسآلوا قائلين: لماذا لا يظهر الآباء في المحكمة عندما يُقبض على أبنائهم؟!

… إذا أردنا أن يكون لدينا أمل في اصلاح مجتمعنا المكسور، فالأسرة والآباء  هما نقطة البداية.

… الجزء الثاني من الدور الاجتماعي في محاربة الشغب هو ما يحدث في المدارس.  نحن بحاجة إلى نظام تعليمي يدعم الرسالة الآتية: إذا ارتكبت خطأ، فسيتم تهذيبك.  ولكن إذا عملت بجد ولعبت وفقا للقواعد فستنجح.  وهذا ليس بالحلم البعيد فقد نجحت مدارس في ذلك… ففيها يتوقعون مستويات عالية من الأداء من كل طفل، ولا يقبلون أعذارا للفشل في العمل بجد. انهم يغرزون الكبرياء من خلال زي رسمي صارم وسياسات سلوكية.

… لماذا نتحمل تلك الفضيحة مكتملة الأركان الخاصة بالمدارس التي يُسمح لها بالفشل عاما بعد عام؟ إذا ترك الأطفال المدرسة وهم غير قادرين على القراءة والكتابة، فلماذا لا تحاسب تلك المدرسة بشكل مباشر؟

… نصل حتما إلى مسألة قانون حقوق الإنسان والثقافة المرتبطة به.  ودعوني أكون واضحا:  نحن في هذا البلد فخورون بالدفاع عن حقوق الإنسان في الداخل والخارج.  بل هو جزء من التقاليد البريطانية.  ولكن الغريب على تقاليدنا والذي أصبح له أسوأ الأثر على السلوك والأخلاق هو الخلط وتشويه حقوق الإنسان بشكل قوّض من المسئولية الشخصية.  ونحن نكافح هذه المشكلة من ناحيتين: الأولى،   ابتكار قانون خاص بنا للحقوق البريطانية…

“… الحقيقة ان تفسير تشريعات حقوق الإنسان قد أفرزت تأثيرا رهيبا على المنظمات العامة، مما قادها إلى التصرف بشكل يناقض الفطرة السليمة ويجرح حسّنا بالصواب والخطأ، ويقوض الشعور بالمسئولية.

… برنامج الخدمة الوطنية للمواطن وهو برنامج غير عسكري ولكنه يتسم بروح الخدمة الوطنية.  هذا البرنامج يعتمد على الشباب من سن 16 عاما من مختلف الخلفيات ويجعلهم يعملون سويا.  يعملون داخل جماعاتهم سواء بتدريب الأطفال على لعب كرة القدم،  أو زيارة المسنين في المستشفيات،  أو تقديم خدمة اصلاح الدراجات لأفراد جماعاتهم.  وبذلك يرى الشباب كيف أن فعل الخير يجعلهم يشعرون بأنهم أفضل.  وأن المتعة الحقيقية هي في البناء لا في الهدم.

العمل الجماعي والالتزام والواجب والأدب كلها كلمات قد تبدو قديمة ولكنها جزء من الحل لهذه المشكلة شديدة العصرية لشباب غاضب ومنسلخ عن مجتمعه.”

—–

هل خرجت بشيء عزيزي القارئ؟

بنت الأصول


وقعت واحدة من بنات الأصول، التي يعرف الجميع حسبها ونسبها، أسيرة لفراش المرض.  تكاثر حولها الزائرون,  كان الأسرع إلى الوصول قلة ممن اعتادوا التواجد معها دائما، وما إن رأوها وكلهم لهفة للاطمئنان عليها وطمأنتها في نفس الوقت حتى قالوا  لها: “شدة وتزول.. وانت قدها وقدود.  كلها يومين وتقومي بألف سلامة.” وظلوا مرابطين في أقرب نقطة من فراشها.

تلاهم في الوصول مجموعة أكبر عددا.  دخلوا وسلموا عليها، وهم يقولون لها: “حد يسيب نفسه لغاية ما يوصل للحالة دي؟  انت اتجننت؟!”

وما ان انتهوا من عبارتهم تلك حتى دلف إلى الحجرة مجموعة صاخبة بعض الشيء،  ولما رأوها ممدة في الفراش، إذ بأحدهم يمسك بذراعها المتصل بالمحاليل ويهزه بعنف وهو يصرخ في وجهها: “انت السبب في اللي حصل لك ده.. أنا قلت لك من الأول، فما تلوميش إلا نفسك!”

لامت عليه المجموعة الأولى قسوته الغريبة، ونبهوه إلى مراعاة مرضها- حتى وإن كانت السبب فيه من وجهة نظره.  في حين صمتت المجموعة الثانية.  أما هو فصرخ في وجه الجميع قائلا: “انتم اللي هتضيعوها بالطبطبة دي.  أكتر حاجة محتاجاها دلوقت هي الصراحة عشان تقوم من اللي هيا فيه. ” 

وهنا اشتركت المجموعتان الأخيرتان في جدل حول مسئولية المريضة عن مرضها وعن شفائها، وعلا صخبهم في المكان، حتى نسوا أنها مريضة أصلا.

أما هي فقد بدا استسلامها غريبا لحظتها.  لم يكن استسلام المرض وحده، بل امتزج بألم عزيزة القوم التي ذلت.  العزيزة التي تأبى الرد على مثل هذه الترهات وإن خرجت ممن يهتمون بأمرها-صادقين كانوا أو مدّعين.

لم يظهر على وجهها أي تعبير آخر يُقرأ بوضوح.  اكتفت بأن جالت ببصرها بضعف في وجوه الحاضرين.  سقطت دموع قلبها في صمت على الأيام الخوالي التي كان يتهافت عليها فيها الناس، ويتفاخرون لمجرد الظهور بجوارها، بل ويسعون جاهدين إلى وضع اسمهم في جملة مفيدة مع اسمها، ولكن بعد مرضها.. انفض السامر.   تبقى حولها ما تراهم من قلة محبة وكثرة من اللائمين أو المترقبين لما سيرثونه منها.   ولكن هيهات .. فهم لا يعرفون بنات الأصول.  فبنت الأصول تحمل بداخلها ذلك الشيء الذي يخبرها بإنها بعز عزيز أو بذل ذليل ستتعافى لتكون أفضل مما كانت ولو بعد حين.

وجالت بنظرها ثانية في الوجوه، ترى بعين خبرتها كل منهم وكيف سيكون في قابل الأيام بعد أن تسترد صولجانها.  ونظرت إلى القلة الأقرب لسريرها، والمتعلقة عيونهم بوجهها، فأضاءت عيناها وافتر ثغرها عن ابتسامة واثقة لهم، فكأن روحهم قد رُدت اليهم.  وانتبه الصاخبون إلى ابتسامتها الغامضة،  فسألوها علام تبتسم، فلم تجب إلا بابتسامة أوسع أطلقتها مع عيناها في نظرة أرسلتها خارج النافذة… إلى أفق مستقبل ترى نوره بوضوح كما تراهم أمامها تماما. 

سمراء

بالحضارة لا بالسياسة… قبل أن ينفد الصبر!


د. نعمات أحمد فؤاد

د. نعمات أحمد فؤاد

د. نعمات أحمد فؤاد

المبهرة بعذوبتها د. نعمات أحمد فؤاد… فلا أجمل من أن تقرأ لهذه المتيّمة بمصر.  وعندما تريد أن تعرف عن مصر تاريخا وحضارة وواقعا فلا يجب أن تضل طريقك عنها.

على رقة هذه الجميلة، تجدها تدق الأرض بقدميها برفض غاضب عندما يتسآل أحدهم: “وهل لمصر في العصر الحديث انجازات؟” ثم تغرس قلمها في مداد نبعه نيل مصر لترد بثبات العالِم وثقته، مستدعية لومضات من تاريخ مصر الطويل وبما قدمته في جميع المجالات .. هندسة وقانون وتعليم… الخ

وتقول: “مصر لم تفقد شيئا من خصائصها ومنها المقاومة والعطاء، ولكن الضيق بالقهر وتواليه تغيب معه الرؤية وتغيم المرئيات.”

وعندما يُتهم المصري بالخنوع والخضوع تقول من فهمت هذا المصري الذي أعجز الكثير عن فهمه:

“إثنان يثور لهما الشعب المصري الزارع أعتى ما تكون الثورة … إذا مس عرضه أو مس في رزقه.  أما الحكم فلا يعنيه كثيرا… إن قصارى ما يطلبه الشعب المصري من الحاكم، العدل أو عدم الجور على الأقل.”

وعن المصري أيضا تقول: “ذلك الشعب الذي كان يقول عند التهديد أو الوعيد: يعني المدنة هتقع ولاّ البحر هيجري مقبل؟” أي لا يهمه إلا الدين الذي ترمز اليه المئذنة والنيل الذي يسميه البحر إذا غير اتجاهه وجرى من الشمال إلى الجنوب.”

وتقول: “هذا الشعب الذي يغمزه الغريب، ويتعتب القريب، بغمزه بعدم المقاومة، خرجت منه أول ثورة شعبية في التاريخ، ثورة منف في الدولة القديمة الفرعونية في الأسرة الخامسة في عهد الملك أوناس.”

ولمن يقول مصر كغيرها من البلاد، ترد: “لقد كان صلاح الدين في سوريا وابن عمه ملكاً عليها واجتاحها الصليبيون واستولوا على بيت المقدس، فلماذا لم ينتصر صلاح الدين في سوريا؟  إذن انتصاره في مصر وراءه عوامل مصرية.”

وبقدر حبها لمصر وذوبانها فيها بقدر معرفتها بعيوبها ومشاكلها، فلا تتورع عن ابرازها بوضوح ثم الدخول في معارك شهيرة ومعروفة على مدى عمرها دون كلل، ومنها معركة النفايات الذرية ومشروع هضبة الأهرام… الخ.

إذاً هي ليست في برج عاجي… لأن من يقرأ كلامها يشعر بأنها شاعرة حالمة ومدلهة بحب هذه الأرض.

تجدها تتحدث عن حكم الفرد أو الحكم السلطوي في مصر والعالم، وتوظيف الدين في السياسة، والأقباط والمسلمون، الإعلام والإعلام المضاد، حكم الفرد والأمراض الاجتماعية واستعمال القوى البشرية، وفي النهاية: القضية واقتراح خطوط عريضة لحل المشكلات التي تراها.

تقول تلك الجميلة التي لا تقبل إلا بمصر كاملة بتاريخها الممتد من يوم خلقها إلى يومنا هذا فتقول:

“نحن لا نفرط في يوم واحد من عمر مصر ولا في عطاء واحد من معطياتها وعطاءاتها وحضارتها، فمصر عندها هي مصر الفرعونية ومصر المسيحية ومصر الإسلامية ومصر الحديثة في يقين عقلي ووجداني جامع وشامل.”

للرانين بأنظارهم والمتعلقة أعناقهم بالغرب والشائحين بوجوههم بعيدا عن أرضهم تقول:

“فمن لا ماضي له يتيم حضاريا، فقير معنويا وإن كان أغنى الأغنياء.”

لمحبي مصر ولفاقدي الأمل فيهاكان هذا الكتاب…

صادر عن دار نهضة مصر- 135 ص