عالم ما بعد أمريكا- فريد زكريا
“موقعك على الخريطة يؤثر على رؤيتك للعالم”
وبالرغم من كوننا في الشرق الأوسط وفي مصر على وجه التحديد،يعني في وسط العالم تقريبا، فكان لابد وأن تكون رؤيتنا للعالم أكثر اتساعا وتوازنا مما هي عليه الآن. وهذا كتاب أدعي أنه مثير للاهتمام بما يطرحه من حقائق وآراء، ومعين على توسعة الرؤية الحالية والمستقبلية.
فريد زكريا من أشهر الصحفيين في الولايات المتحدة الأمريكية، من أصل هندي، ومسلم. جاء الى أمريكا في شبابه وحصل على الجنسية الأمريكية. يكتب في أشهر وسائل الاعلام الغربية منها النيوزويك، والواشنطن بوست، والتايم، وله برنامج في قناة سي ان ان الأمريكية. له كتاب سابق حقق رقما قياسيا في المبيعات وهو: مستقبل الحرية.
يقول في أول سطور كتابه: “هذا الكتاب ليس عن أفول نجم أمريكا ولكن عن صعود قوى أخرى سوى أمريكا. هو كتاب عن التحولات العظمى التي تحدث حول العالم والتي بالرغم من رصدها بدقة إلى انه قليلا ما يُحسن فهمها.”
يقول زكريا عن هذه التحولات: “انظر حولك وستجد أن أعلى مبنى في العالم الآن يقع في دبي. أغنى رجل في العالم مكسيكي. أكبر الشركات في حجم تعاملاتها في الصين. أكبر طائرة في العالم صنعت في روسيا وأوكرانيا. معمل التكرير الأول في العالم في الهند. أكبر مصانع العالم في الصين. هونج كونج الآن تنافس لندن ونيويورك كأكبر مراكز المال في العالم.”
- ينتقل في الفصل الثاني “ما يكفي ويفيض!” يبين كثير من الأمور، منها: انه بعكس المتصور فإن الحروب تنعش الاقتصاد! وانظر الى حرب اسرائيل مع حزب الله عام 2006 واذ بمؤشرات البورصة في اسرائيل تقفز لتسجل أعلى معدلاتها في آخر أيام الحرب عن أول أيامها.. حتى ان هذا الأمر كان يدهش الاقتصادييين الاسرائيليين أنفسهم!
- ثورة الاتصالات التي نعيشها الآن ومتابعتنا للأحداث حال وقوعها يجعل من كل خبر جديد خبر عاجل! كل حادث كارثة! في حين أن العالم مر بأحداث أسوأ مما هي الآن كموت مليوني انسان في كمبوديا في السبعينات، ومصرع مليون شخص في الصحراء في حرب إيران والعراق في الثمانينات. إلا ان رؤيتنا للأحداث على مدى 24 ساعة يزيد من شعورنا باقتراب الخطر منا في حين ان الوضع في حقيقته ليس كذلك.. ولكنه الإعلام!
- ينتقل بعدها إلى نقطة أخرى متناولا الصين ليقول: “أي حجم من الانتاج مهما كان صغيرا يصبح كبيرا اذا ما ضرب في 2.5 مليار (وهو العدد التقريبي للصين والهند معا) حتى مع تواضع بداية ذلك الانتاج.”
وهذا يعطي كثيرا من الأمل لدولة مثل مصر، فلو دفع كل فرد من 50 مليون (بافتراض انهم الشريحة القادرة على الانتاج) بطرف اصبعه لتجمع ذلك وتحول إلى دفعة قوية ذات تأثير ضخم حتى وان تواضعت الامكانيات في البداية.
- رصد التغيرات الضخمة في كل من تركيا والبرازيل التي وضعتهما في مصاف الدول المتقدمة لما حققتاه من نمو اقتصادي ضخمة في السنوات العشرين الماضية.
- ذكر ما قاله البعض عن توقعات بصحوة سياسية عالمية في السنوات المقبلة بسبب النجاح الاقتصادي والكرامة الوطنية وارتفاع مستويات التعليم وتوافر المعلومات والشفافية.
- مع اتساع العالم أصبح من الصعب على كيان واحد بعينه أن يتولى الأمور وحده، ولكن لابد من الاتحاد مع آخر.
- الاسرة المتوسطة في أمريكا الآن لديها في المتوسط 13 بطاقة ائتمان، وعليها رهن ب 120 ألف دولار!
- لقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أمة من المدينين!
في الفصل الثالث: عالم غير غربي يتحدث عن الفرق بين الشرق والغرب، ولماذا توقف الأول عند حدود الماضي في حين انطلق الثاني سريعا نحو المستقبل، وكيف تأثر الأول بالثاني. ويذكر هنا قصة غريبة عن بطرس العظيم الذي جاب أوروبا وتعلم منها وعاد الى بلاده ليعيد تأسيسها على الطراز الأوروبي. بل انه غير النظام الضريبي بالاتفاق مع الكنيسة الأورثوذكسية ليقترب من النموذج الغربي. حتى أنه أمر الرجال بحلق لحاهم وارتداء ملابس أوروبية الطراز، وإذا أصر أحدهم على مظهره القديم يُلزم بدفع “ضريبة لحية” قيمتها 100 روبل في السنة!
- ارتبطت المدنية بالغرب لزمن طويل، في حين ان الاحصائيات تبين أن أكبر أربع اقتصاديات في العالم خلال العقود القليلة القادمة هي اليابان والهند والصين، ورابعهم الولايات المتحدة التي يتزايد فيها عدد السكان ولكن من أصول غير أوروبية!
- تحول مصطلح المدنية ليعني الصناعة والعمران ورفع معدلات القراءة والكتابة والتعليم والثروة، بعد أن كانت المدنية مرادفا “للأوروبية”.
- “الثقافة تتبع القوة”.. وهذا لا يحتاج إلى شرح كما نرى في عالمنا!
أفرد زكريا فصلا مذهلا عن الصين يبدأ فيه بإحصائيات بسيطة منها ان معدل نمو الصين استمر 9% على مدى 30 عام وفي خلال هذه المدة أخرج حوالي 400 مليون شخص من تحت خط الفقر!
- أسرع 20 مدينة نموا في العالم تقع كلها في الصين.
- الصين هي أكبر دولة في العالم، وأسرع اقتصاد نموا، وصاحبة أكبر مصنع في العالم، وهي ثاني أكبر مستهلك، وأكبر مدخر، وهي تقريبا ثاني أكبر دولة في الانفاق العسكري!
ثم يفرد فصلا آخر عن العملاق الصاعد الثاني.. الهند والتي يوجد فيها أكبر عدد من المليارديرات في العالم وأغلبهم صنع نفسه بنفسه. وفي نفس الوقت بها 40 من فقراء العالم وهي ثاني أكبر شعب مصاب بمرض نقص المناعة!
كيف قفزت الهند سنوات إلى الأمام من خلال تركيزها على صناعة البرمجيات (وغير خاف على أحد أن من استطاع أن يحل مشكلة الصفرين الشهيرة في أول القرن الحادي والعشرين كانوا هنودا!)
- مكونات الدخل القومي الهندي هي 50% خدمات، و25% صناعة، و25% زراعة.
- كانت الاستثمارات الهندية في بريطانيا عامي 2006، و2007 أكبر من الاستثمارات البريطانية في الهند!
وفي الفصل الأخير: الغاية الأمريكية يتحدث عما يجب على أمريكا أن تأخذه في حسبانها في عالم متغير بهذا الشكل، وباعتبارها أكبر قوة عرفها التاريخ، وذلك حتى تحافظ على وجودها ودورها… ومن أهم تلك الأمور أنها يجب أن ترتب أولوياتها، فلكي تحكم العالم لابد وأن تختار أين تركز قواها وأين توجه انتباهها.
كما يجب عليها وضع قواعد عامة ليسير عليها العالم، لا أن تكتفي بدفعه في مجرى مصالحها فقط، وبذلك تسير دول العالم في ذلك الاطار العام المرسوم، بما يدعم النظام العالمي ككل!
الكتاب وهو مليء بما هو مفزع أحيانا، ومثير للغيظ أحيانا أخرى إلا خلاصته أكدت لي أن سنة الله في أرضه هي الغالبة، فالأيام دول، وليس هناك من يبقى أبدا في القمم، وليس هناك من يبقى أبدا في القاع… ولكن المهم البداية.
في النهاية هو كتاب يفتح العيون والأفهام على زوايا أخرى من العالم قد تكون خافية على كثير منا مع غرقنا في تفاصيل مشاكلنا.
هذه هي الطبعة الثانية للكتاب (2011) وهي مزيدة عن طبعته الأولى الصادرة 2008.
الكتاب صادر عن دبليو دبليو نورتون آند كومباني في 314 صفحة
Filed under: نور الورق،شموع عطرة | Tagged: فريد زكريا، أمريكا، الهند، الصين، عالم ما بعد أمريكا، مستقبل الحرية،تركيا | أضف تعليق »








