جزيـــرة النـــور
بقعة ضوء في قلب الظلمةكتاب النبراس- الجزء الأول

لؤلؤة جديدة تضاف الى ذاك العقد الفريد من سلسلة كتب مولانا الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. ولبنة جديدة تضاف إلى ما سبقها من لبنات وضعها علماؤنا الأجلاء في كل وقت وحين منذ أنزل الله كتابه على رسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم.
“النبراس” .. رحلة في كتاب الله العزيز يصحبنا فيها مولانا الإمام، يدلنا فيها على عظمة هذا الكتاب المتين الذي لا يخلق من كثرة الرد. رحلة تناسب عصرنا وحالنا.. نفعنا الله بها، وجزى بها شيخنا خير الجزاء.
الجزء الأول يحتوي على تفسير الفاتحة والربع الأول من البقرة.
للحصول على نسخة :
شركة الوابل الصيب للإنتاج والنشر والتوزيع
ت: 29850891
29850824
25057830
26673393
محمول: 0181755566
Forty Hadith of Nawawy
Explanation of the Forty Hadiths of Nawawy by his eminence Dr. Ali Jum’aa, Grand Mufti of Egypt. Ep. 1
شجرة طيبة

غريق جرفه السيل
نظر حوله فلم يجد ما يتعلق به…
ظهرت له من آن لآخر فروع صغيرة..
حاول التشبث بها، ولكنها انجرفت معه بقوة السيل…
بقي على ثقته بأن ربه لن يضيعه..
فجأة … ظهر له فرع آخر..
تشبث به..وإذ بالفرع يحتمله.. بل وينتشله!
زاد تشبثه بالفرع .. استقر عليه ..
التقط أنفاسه وأخذ ينظر حوله..
اكتشف أنه أحد فروع شجرة هائلة ..
تفقدها .. فإذاها متينة الجذع .. ثابتته ..
بدت بعض جذورها للعيان.. قوية وصلبة..
تنبئ عن أن ما خفي منها كان أعظم وأقوى..
يخرج من جذعها فروع كثيفة ومتشابكة ..
أوراقها غضة.. وثمارها يانعة ومثيرة للدهشة …
منها ما هو مألوف الشكل ولكنه مختلف المذاق…
ومنها ما هو غير مألوف لا في شكله ولا في مذاقه ..
مع أنها شجرة واحدة!
تذكّر صاحبنا تعبه في مقاومة السيل..
فقرر أن تكون هذه الشجرة هي مستقره..
يستند على جذعها ويستظل بظلها ويقتات بثمرها..
ويرحل في كل يوم إلى العوالم الجديدة التي يحملها كل فرع من فروعها..
وماذا يريد من الحياة أكثر من هذا..
أيحتاج أكثر من شجرة طيبة..
أصلها ثابت وفرعها في السماء..
هذه الشجرة الطيبة هي حقيقة تحيا على أرضنا وفي زماننا…
إنسان يعرفه الكثير… ولكن يجهل حقيقة قدره الأكثر!!
والحمد لله الذي قدّر لي أن أعيش في عصره ومصره…
دُرّة في عقد فريد…
ثابت الجأش .. منتصب القامة.. عالي الهامة والهمة…
عليه هيبة لا ينكرها إلا من حُرِمَ البصيرة..
لا ينكر قدره إلا جاهل.. ولا يغلبه إلا أحمق..
معه تكتشف كم أنت صغير..
ولكنه يُعَلّمكَ كم أنت كبير!
فأنت صغير إذا ما قورنت بمثله..
ولكنك كبير لأنك إنسان وفيك نفخة من الرحمن…
منه تتعلم كيف يكون الكبار كبارا..
ومعه ترى كيف يترفع الأكابر عن هزل الأصاغر..
تجده ينفض التراب عن كل ثمين طمسه النسيان..
يزيل ضباب الوهم والدجل من الأذهان..
يحمل شعلة العلم التي وصلته عبر أجيال..
ليسلمها لمن يحملها من بعده..
لربما رأيته كثيرا وهو يخاطب الناس..
ولكن أتراك رأيته وهو يخاطب طفلا؟
فمعاملة الأطفال تكشف معادن الناس…
إن له طريقة مبتكرة معهم تحوّل رهبتهم حبا..
ووجلهم سحرا ..
سحرا بحلاوة منطقه وطرافة حديثه..
أراه فتتبادر إلى ذهني صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
أولم يرث علمه عليه الصلاة والسلام؟
فما الغريب في أن يرث حاله إذا؟
إنه بحق.. علامة فارقة في حياة كل من عرفه على حق..
إنه الشجرة الطيبة…
إنه مولانا الإمام العلامة نور الدين..
علي جمعة مفتي الديار المصرية … حفظه الله.
الاحترام
بقلم:د. علي جمعة
مفتي الديار المصرية
وكل هذه القيم وجدناها في الإسلام، وفي كل الأديان، أولي هذه القيم: قيمة الاحترام، الاحترام للنفس، والاحترام لغيرك، والاحترام للعالم من حولك، ومنها قيمة البساطة، والتعاون، والسعادة، والمرح، وقيمة المحبة، وقيمة المسئولية، وقيمة الاتحاد، والتواضع،
وجعلت الاحترام أولى القيم، وفي الإسلام نري أهمية الاحترام، وقد ربطه بالتربية، وبالخلق القويم الذي إذا تركناه أو نسيناه أو همشناه في حياتنا لذهبت هذه القيمة ومعها قيم كثيرة،
ـ أمرنا الإسلام أن نربي أبناءنا وخدمنا وان نعلمهم، وأن نجعل التقوى هي المقياس، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أحمد في مسنده: إن أنسابكم هذه ليست بسباب علي أحد، وإنما انتم ولد آدم، طف الصاع لم تملئوه، ليس لأحد فضل إلا بالدين أو عمل صالح، حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا جبانا، ونري في عصرنا أن كثيرا من الناس قد أساء الأدب مع العالم، وأساء الأدب مع الناس وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أن أبا سفيان أتي على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، قال، فقال أبو بكر، أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتي النبي صلي الله عليه وآله وسلم، فأخبر، فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر، فقال: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي، رواه مسلم في صحيحه، واليوم لا يبالي كثير من الناس بغضب أولياء الله وأهل القرآن، وعلماء الأمة،
ـ لقد ربط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاحترام بنفع الناس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ـ أي تنظفه ـ ففقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟، قال: فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها عند قبرها، أخرجه البخاري ومسلم، وهو تدريب عملي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته على احترام الآخرين مهما صغرت مكانتهم، خاصة أنها كانت تقوم بعمل صالح بتنظيف المسجد، وهو بيت الله، ومكان اجتماع المسلمين، ولم تذكر لنا الكتب: من تلك المرأة، كل ما نعرفه أنها كانت تنظف المسجد فقط،
ـ ويتمادي الإسلام في تعليم الاحترام حتى أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه.
4 ـ والإسلام يعلمنا الاحترام مع الآخرين، فأخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال: كان سهل بن حنيف، وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بالجنازة، فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض ـ أي من أهل الذمة في هذه البلد ـ فقالا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي،
وعلمنا الإسلام الاحترام داخل الأسرة، فعن أنس رضي الله عنه قال: بلغ صفية بنت حيي أم المؤمنين أن حفصة أم المؤمنين أيضا قالت عنها: بنت يهودي، فبكت صفية، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة إني بنت يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟! اتقي الله يا حفصة،
فانظر كيف وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكلام أولا إلى السيدة صفية فرفع من مكانتها، وأشعرها بالثقة في النفس، ولفت نظرها إلى معني لم تلتفت هي إليه أصلا، وهي أنها من نسل موسي أو هارون عليهما السلام فهي بنت نبي وعمها نبي، وهذا دافع لفخارها بنفسها، فأذهب عنها حزنها وبكاءها، وأذهب عنها المفهوم الذي دعاها للشعور بالنقص أو القلة،
ـ بل إن الإسلام تمادي في تعليمنا قيمة الاحترام حتى أمرنا أن نحترم الحيوان، والجماد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم،
لا مفر لنا إلا أن نحترم كبيرنا، وان نعطف على صغيرنا، وان نتقي الله في أنفسنا، فهذا هو الأمن المجتمعي.
الأهرام 20 يوليو 2009
المحاسبة والتشويه
بقلم الدكتور علي جمعة
مفتي الديار المصرية
علمنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن أحدا لا ينبغي أن يكون فوق المحاسبة، وبدأ بنفسه، فكان يعدل صفوف أصحابه يوم بدر، بعود كالأراك في يده، فمر بسواد بن غزية وهو متقدم عن الصف، فطعنه في بطنه بالعود وقال استو يا سواد: فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني، وكان سواد مقاتلا فارسا، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال: استقد قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ما حملك علي هذا يا سواد؟
قال: يا رسول الله، أردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له بخير،( السيرة النبوية لابن اسحاق)، ونحن نسير على هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سار عليه الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فكلهم أعلنوا أنهم ليسوا فوق المحاسبة وأن المحاسبة حق من حقوق المجتمع، وبلغة العصر: رقابة دستورية على الجميع لا يستثني منها أحد، وهذا هو العدل الذي هو أساس الملك.
فهذا أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يقول في خطبة توليه الخلافة: أما بعد أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم (سيرة ابن اسحاق).
وهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يقول في إحدى خطبه: أيها الناس، من رأي منكم في اعوجاجا فليقومه، فقام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه. وكان يقول: أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي. وجاءه يوما رجل فقال له: اتق الله يا عمر، فغضب بعض الحاضرين، فقال لهم عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها.
وهذا ذو النورين عثمان رضي الله عنه يقول في كتابه إلي عماله: أما بعد، فإن الله خلق الخلق بالحق فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق( تاريخ الطبري)، ويقول أيضا: إن وجدتم في كتاب الله عز وجل أن تضعوا رجلي في القيد فضعوها.
وهذا علي بن أبي طالب إمام المتقين ـ كرم الله وجهه ـ يقول في خطبة خلافته ألا وإنه ليس لي أمر دونكم إلا أن مفاتيح ما لكم معي، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم (تاريخ الطبري).
ـ كما علمنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ البعد عن الشبهات إذا كانت شبهات، والافتخار بالأعمال الصالحة دون تكبر أو بطر، وفي الحديث أن صفية رضي الله عنها ـ أتت النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم وهو معتكف، فلما رجعت مشي معها، فأبصره رجلان من الأنصار فأسرعا، فدعاهما فقال: علي رسلكما، إنها صفية بنت حيي ثم قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم (أخرجه: البخاري ومسلم). وكان يحب أن يظهر المسلمون الأعمال الصالحة حتى يعلمها الناس فيتبعوها، وقال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده (أخرجه مسلم).
ـ وكان يكره الظلم وقال: الظلم ظلمات يوم القيامة وقال: واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (رواهما البخاري ومسلم)، وأمر المؤمنين أن يرجعوا عن ظلمهم إذا ظلموا، وأن يطلبوا السماح من صاحب الحق، وكان يقول: من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (أخرجه البخاري).
ـ وكان يكره أن تشوه الصورة، لأن ذلك من الظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة، وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم الغنائم، فقال له رجل: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل، فقال: ويلك! ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل؟ فقال عمر: دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن هذا في أصحاب أو أصيحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن حبان). ولقد تكرر هذا الموقف كثيرا فصبر كما أمره الله وأنزل الله السكينة علي قلبه قال تعالى: “واصبر وما صبرك إلا بالله”.
ـ وعلي الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع( أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه). وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالي نعى علي الذين يلبسون الحق بالباطل فقال ـ تعالى: “ لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون” آل عمران:71، ولدرجة أنه سمى الشيطان الرجيم (إبليس)، لأنه يلبس الحق بالباطل والباطل بالحق، فإننا نرى من الناس من يصر على الباطل ويلبسه بالحق، ونراهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، لا تنفع معهم موعظة، ولا يردعهم (قال الله) و(قال الرسول)، وهذا الصنف من الناس يصدق فيه قول عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وحينئذ يحق للمؤمن أن يرفع الخصومة بينه وبين من ظلموه ـ ولم يسعوا للاعتذار ـ إلى القضاء يفصل بينهم في الدنيا، وموعدنا يوم القيامة أمام حكم عدل مالك يوم الدين. “والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير”( الشوري:8) وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
الأهرام 13 يوليو 2009























