جزيـــرة النـــور

بقعة ضوء في قلب الظلمة

الأشعرية‏..‏ أهل السنة عبر العصور


Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

اشتكى لي بعض الشباب من توجه بدأ يشيع في أوساطهم‏,‏ يستعمل كلمة الأشعرية أو الأشاعرة وكأنها سبب كفيل بأن ينفر الناس من ذلك العالم الذي يوصف بالأشعرية‏,‏ وسألني‏:‏ من هم هؤلاء الأشاعرة وما قصتهم؟ فقلت له‏:‏ إن المذهب الأشعري هو مذهب أهل السنة والجماعة منذ نشأته وحتى يومنا هذا‏,‏ وهو المذهب الذي يدرس في الأزهر الشريف‏,‏ وهو المذهب الذي عليه جماهير أتباع الأئمة الأربعة‏:‏ الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة‏,‏ وكلمة الأشعرية نسبة إلى الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل وهو من أحفاد الصحابي الجليل أبي موسي الأشعري ولد في حدود سنة‏260‏ هجرية‏,‏ ومات في حدود سنة‏330‏ هجرية‏,‏ وهناك اختلاف في تحديد مولده ووفاته‏,‏ درس مذهب الاعتزال على الجبائي لمدة عشرين عاما‏,‏ وهو مذهب يعتمد على العقل ويقدمه على النقل وظاهر النصوص‏,‏ وانطلق أبو الحسن الأشعري من فرضية أخرى وهي عدم وجود أي تناقض بين المعقول والمنقول‏,‏ وهو مذهب أهل السنة السابقين عليه كالشافعي ومالك وغيرهما‏,‏ ولذلك فليس هناك حاجة لتقديم المنقول على المعقول كما يفعل النصوصيون ولا لتقديم المعقول على المنقول كما يفعل المعتزلة‏,‏ وبهذا يتبين أنه ليست هناك ثنائية بين المنقول وبين المعقول بل هما وجهان لعملة واحدة‏.‏إن هذا الفكر المبني على تلك الدراسة العتيقة والمبني على التأمل والنظر‏,‏ والمبني على إيجاد حلول للمشكلات الفكرية المعروضة على الساحة‏,‏ قبله كل العلماء قبولا تاما حتى رأينا أن المعتزلة انتهت أو كادت تنتهي في القرن الرابع الهجري‏,‏ وما ذلك إلا بفضل أبي الحسن الأشعري الذي بنى كلامه على الكتاب والسنة وعلى صحيح المعقول‏,‏ وكان أبو الحسن الأشعري في بعض الأحيان يعرض قولين في المسألة يمكن الأخذ بأحدهما‏,‏ فكل واحد من القولين يعد حلا مقبولا للمشكلة‏.‏

ولقد تطور المذهب الأشعري الذي بنى هذا المنهج والذي دعا الناس لأن تعيش عصرها ولا تقف عند عصر النبوة فقط‏,‏ بل النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك لنا منهج التفكير الذي تواجه به المحدثات سواء الفكرية أو العملية‏,‏ ولذلك نري تطور المذهب على يدي الإمام الباقلاني ‏(403‏ هـ‏)‏ والجويني ‏(478‏ هـ‏)‏ ثم الإمام الغزالي‏ (505‏ هـ‏)‏ ثم بعد ذلك الإمام الرازي‏ (606‏ هـ‏)‏ والآمدي‏ (631‏ هجرية‏)‏ وصولا إلى الإيجي ‏(756‏ هـ‏)‏ والسعد التفتازاني ‏(793‏ هـ‏),‏ والشريف الجرجاني‏ (816‏ هـ‏),‏ ومن الأشاعرة‏:‏ الإمام النووي‏ (676‏ هـ‏)‏ شارح صحيح مسلم وصاحب رياض الصالحين والإمام ابن حجر العسقلاني ‏(852‏ هـ‏)‏ شارح صحيح البخاري في كتابه الكبير فتح الباري‏.‏ وكل من يعتمد عليه طلاب العلم من العلماء عبر العصور إلى يومنا هذا‏.‏

واستقر أتباع المسلمين من أهل السنة والجماعة للمذهب الأشعري باعتباره هو المذهب العلمي الأدق والأوسع‏,‏ ولقد ألف الأشعري نحو سبعين كتابا‏;‏ منها كتاب صغير طبع عدة مرات في دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن بالهند‏,‏ اسمه استحسان الخوض في علم الكلام‏,‏ وهو لا يتعدي ثلاث عشرة صفحة بين فيها استنباط الأصول العقلية من الكتاب والسنة‏.‏

وفي مجموع فتاوى ابن تيمية في المجلد الثالث‏,‏ وهو يحكي عن مناظرة صفي الدين الهندي إمام الأشاعرة لابن تيمية في صفحة‏ 187;‏ قال الصفي الهندي‏:(‏ قلت له أنتم ما لكم على الرجل اعتراض‏;‏ فإنه نصر ترك التأويل وأنتم تنصرون قول التأويل‏,‏ وهما قولان للأشعري‏),‏ ونقل ابن تيمية هذا وقبوله له يدل على أنه كان أشعريا ورضي بذلك‏,‏ ولكن بعضهم يحاول أن يجعله على مذهب ابتدعوه اسمه مذهب السلف‏,‏ والسلف ليس مذهبا‏,‏ إنه فترة تاريخية مباركة شهدت تمسك المسلمين بدينهم وشهدت أيضا بناء حضارتهم‏,‏ وفصل هذا المعني العلامة محمد سعيد البوطي في كتابه السلفية‏,‏ وهو بالأسواق‏.‏

ودأب السلفيون المعاصرون في محاولة أخري لاجتذاب الأشعري لآرائهم النصوصية‏,‏ فكثيرا ما يؤكدون فكرة الفصل الكامل بين الأشعري وأفكار المدرسة المنسوبة إليه‏,‏ والحق أن الأشعري اقتنع تماما بنبذ الفكر الاعتزالي وبنبذ الفكر النصوصي أيضا‏,‏ وصار منهجا هو المقبول عند أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا‏.‏ولذلك فإن الذي يعيب على الأشعرية ويعتبرها مانعا من قبول العلماء‏,‏ ويرد بذلك ما عليه علماء الأزهر حتى في الفقه من أجل أنهم أشاعرة‏,‏ قد جهل انه بذلك أنكر منهج الوسطية وأنه صار بذلك رجعيا يتصور أن الإسلام يصلح لعصر دون عصر‏,‏ ويحاول أن يسحب الماضي على الحاضر‏,‏ وأنه بذلك قد خالف هدي القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم معا‏,‏ ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الصنف من الناس الذين يتكلمون بغير علم‏,‏ وفي الحديث‏:‏ يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان‏,‏ سفهاء الأحلام‏,‏ يقولون من خير قول البرية‏,‏ يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية‏,‏ لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ‏(‏صحيح البخاري‏),‏ إن هؤلاء قد خطوا بمنهجهم المعوج بداية طريق التطرف ثم الارجاف وهم الدائرة الأوسع التي تنبت منها الدماء البريئة التي تسيل من جراء الجهل بالدين‏,‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشي من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه ‏(‏صحيح مسلم‏).‏

ولقد ألف الإمام ابن عساكر الدمشقي ‏(‏المتوفى سنة‏571‏ هجرية‏)‏ كتابه الماتع تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري‏,‏ وبين فيه أتباع جماهير العلماء وأئمتهم عبر العصور إلى القرن السادس لهذا المذهب العلمي الدقيق‏,‏ ومن الدراسات الجيدة التي بذل فيها جهد مشكور كتاب الدكتور جلال موسي بعنوان نشأة الأشعرية وتطورها‏,‏ طبع بدار الكتاب اللبناني ببيروت‏,‏ وتعد كتابات المرحوم علي سامي النشار وكتابات العلامة طه عبد الرحمن ـ متعنا الله بحياته ـ من المجهودات الكبيرة في دراسة هذا المذهب‏,‏ ويكفي أن قلعة الإسلام تدرسه في مناهجها‏;‏ أعني الأزهر الشريف‏.‏

الأهرام 25 فبراير 2008

تعليقات »

  أحمد الدرينى wrote @

جزاكم الله خيرا وثبتنا على المذهب الاشعرى وهدى الله بكم الامم الحائرة

  marmad wrote @

أحمد الدرينى:
بارك الله فيكم .

  إبراهيم بن إدريس wrote @

بارك الله فيكم ، اللهم اهدنا و المسلمين وقنا الفتن ووحد صفوفنا واجعل كيد من أراد بالإسلام سوءا في نحره يا رب العالمين وصلى الله وبارك وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمهين .


تعليقك

HTML-Tags:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <pre> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

  • Credits

    Get a free blog at WordPress.com | Theme: Fjords by Peterandrej