بقلم: د. علي جمعة
مفتى الديار المصرية
هل هناك شر محض أو أن الخير دائما نجده في كل شيء! عقيدة المسلم أن الله سبحانه وتعالي قد خلق الخير والشر جميعا; ولذلك فإن الخير من خلق الله وإن الشر من خلق الله أيضا, ودائما يرى المسلم حكمة الله في أفعاله; فيراها في خلقه للخير ويراها في خلقه للشر, وهذه الرؤية سوف تجعله متأنيا في جميع المواقف, متأملا في كل الأحداث, راضيا بقضاء الله وقدره, ويقف أيضا موقف العدل; فيصف الأمر على ما هو عليه من خير وشر, فعندما يري الشر لا تعميه هذه الرؤية عن رؤية الخير الذي قد يكون مختلطا معه, أو يكون في نهاية طريقه, أو يكون ناتجا عنه. فكأنه ليس هناك شر محض, ولو كان هناك شر محض لاستهجنه ورفضه جميع الخلق; لأن الشر المحض ضد الفطرة, ولكن لما اختلط بشيء من الجمال وفي بعض الأحيان بشيء من المعاني زين لبعضهم أن يفعله, وهذا التزيين هو مدخل الشيطان إلى الناس. قال تعالي: {تالله لقد أرسلنا إلي أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} [النحل:63].
1- أما أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الخير والشر معا, فقد قال تعالى {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} [الرعد:16], وقال أيضا{وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا* ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} [النساء:79,78], فهذا نص على أن الله قد خلق الخير والشر معا.
2- والرؤية المتأنية التي ذكرناها سنراها في سورة النور, حيث قال ربنا سبحانه وتعالى {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} [النور:11], فالإفك الذي صدر من بعض المخطئين فأحزنهم وأثر في نفوسهم, علمنا الله كيف نواجهه, وكيف نرى فيه الخير بالرغم من أنه شر متفق عليه.
3- وهناك معنى آخر, وهو ألا يكون الأمر شرا, بل هو في نفسه خير, ولكن تقويمنا هو الذي اختلف فظنناه شرا, وفيه يقول ربنا سبحانه وتعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة:216].
4- ويعلمنا الله تعالى العدل في الوصف وفي الحكم فيقول {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء:114], وأما في الحكم فيقول {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [ المائدة:8].
لقد تواردت كل هذه المعاني في ذهني عندما تكررت الإساءات المفتعلة لسيد البشرية وخاتم المرسلين وحبيب رب العالمين, وهي تلك الإساءات التي لم تتوقف قط عبر التاريخ وكانت موجودة وستظل كذلك مادام هناك شر قد خلقه الله سبحانه وتعالى في هذا العالم, حيث يزين الشيطان هذه الأفعال; مرة من مدخل الحرية التي تحبها الفطرة السليمة, ومرة من مدخل الحرص على الأمن والأمان الذي تنجذب إليه النفوس السوية, والسؤال ما الخير الذي وراء هذا الشر؟
5- فعندما يستمع الناس إلى الافتراء والكذب حول الإسلام ورسوله يبادرون بالاطلاع عليه, ويرغبون في معرفة حقائقه, فيكتشفون الكذب والبهتان, وينقلبون إليه مناصرين للمسلمين ودينهم, وبعضهم ينبهر بهذه الحقائق فيدخل في الإسلام, وهذا هو الذي يحدث عبر التاريخ في كل مكان, حتى أصبح المسلمون أكثر أهل الأديان عددا من غير حول منهم ولا قوة, إذا استحضر المسلمون هذا, حدث لهم في نفوسهم الرضا بقضاء الله, وحدث لهم في نفوسهم العدل في الحكم على الناس, وحدث لهم في نفوسهم التأني والتأمل في الموقف الصعب, فازدادوا رفعة أمام أعين العالمين, وبحالهم هذا يكذبون كل افتراء يهدف إليه هذا الاستفزاز المقصود, الذي تحكمه في بعض جوانبه الرغبة في طرد المسلمين من بلاد غير المسلمين, والرغبة عند المتطرفين منهم في إظهارهم في صورة غير صورتهم, أو بأخلاق غير أخلاقهم, فإن الغضب إذا سيطر على الإنسان لم ير طريق الصواب, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تغضب ولك الجنة” أخرجه الطبراني في الأوسط. وعن أبي هريرة أن رجلا شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله, فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام, فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله, كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت!, قال: إنه كان معك ملك يرد عنك, فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان, فلم أكن لأقعد مع الشيطان, ثم قال: يا أبا بكر, ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره, وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة, وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله عز وجل بها قلة رواه أحمد.
6- إننا لا نريد أن ننشغل في ردود أفعال, وكلما بنينا جزءا من الجسر بيننا وبين العالمين جاء متطرف من هنا أو هناك ليهدم ما بنيناه, أو ليعطل علينا العمل. فلا تلتفتوا إليهم, وسيروا على بركة الله, قال تعالى {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين* إنا كفيناك المستهزئين* الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون* ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون* فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين* واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر:94:99].
الأهرام 10 مارس 2008



