الخبر والإنشاء


Dr. Ali Jom’aa - Mufti of Egypt

 

 

 

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

ينقسم الكلام العربي إلى نوعين رئيسين من الأساليب‏.‏ الأول يسمي الخبر وعرفوه بأنه ما يحتمل الصدق والكذب لذاته‏,‏ مثل قولنا الشمس مشرقة‏.‏ فانه إذا تمت المقارنة بين هذه الجملة والواقع فقد تكون صدقا إن كانت في النهار والشمس مشرقة فعلا وقد تكون كذبا إذا كانت في الليل والشمس قد غربت ولم يبق لها وجود في قبة السماء‏.‏ فالصدق والكذب وصفان لمقارنة الجمل المفيدة بالواقع‏.‏ فإذا طابق الكلام الواقع فهو الصدق وإذا خالف الكلام الواقع فهو الكذب،‏ أما الإنشاء فيشمل السؤال والأمر ونحو ذلك‏.‏ حيث لا يمكن أن نصف الكلام مع مقارنته بالواقع بأنه صدق أو كذب فلو سألت أحدهم هل ذهبت أمس إلى المسجد؟ فانه لا يستطيع أن يقول لك كذبت أو صدقت‏.‏ لأن السؤال يحتاج إلى جواب وهو في نفسه الخبر‏.‏ ولذلك لا يوصف السؤال بأنه خبر ولا بأنه صدق‏.‏ ولا بأنه حكم حيث انه يطلب الحكم‏,‏ وطلب الحكم يختلف تماما عن الحكم‏.

والتفرقة بين الخبر والإنشاء أساسية في التفكير المستقيم‏.‏ ومن فقد التمييز بينهما فانه سوف يخطئ في نسبة الكلام إلى قائله وسوف يخطئ في فهم مراد المتكلم من كلامه‏.‏ وسوف نصل بهذه الحالة إلى حوار الطرشان‏,‏ إن صح التعبير فإن الوظيفة الأولى للغة هي نقل المعاني من ذهن المتكلم إلى ذهن السامع بطريقة واضحة.  وبعد الفهم الصحيح يمكن للسامع أن يرفض أو أن يصدق فيؤمن بما يقوله المتكلم‏.‏ أما إذا لم يفهم ورفض ما تصوره في ذهنه‏,‏ فانه يكون قد أنشأ واقعا خياليا آخر غير الواقع في نفسه‏.

وإذا أصر الإنسان على تصوراته الخاطئة‏,‏ كان هذا حجابا له وحرمانا لنفسه من الفهم الصحيح‏.‏ وهذه الحالة حذرنا منها ربنا سبحانه وتعالي في أكثر من موطن في القرآن الكريم‏,‏ وأمر الناس أن يفهموه كما أراده من أنزله‏,‏ لا كما يريدون هم‏,‏ ولذلك وضع الأصوليون وهم يبحثون في أسس الفهم قاعدة جديدة ذكروا فيها أن الاستعمال من صفة المتكلم وأن الحمل من صفة السامع‏,‏ وأن الوضع قبلهما‏.‏ فإذا كانت اللغة قد جعلت السؤال سؤالا وجعلت الحكم حكما والخبر خبرا‏,‏ فان من يخلط بينها سوف يقع في خطأ فهم الكلام المسموع وينسب إليه ما لم يقله وما لم يرده‏.‏ فإذا أصر السامع على هذا الخلط فلن يضر إلا نفسه حيث ستذهب مصداقيته وستبقي قوانين اللغة كما هي‏، لأن وضع اللغة كان قبل المتكلم وقبل السامع معا وسيظل كذلك بعدهما‏.‏ قال تعالي‏:{أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها‏}(‏ محمد‏:24),‏ والقفل الذي على القلب هو محاولة التلبيس الحاصل في قوانين اللغة‏.‏ ويمكن أن يكون عن جعل وعلاج ذلك بالتعلم‏,‏ فقال تعالى‏:‏{قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}‏(‏ الزمر‏:9)

ويمكن أن يكون عن قصد وعلاج هذا بالتوبة‏,‏ قال تعالى‏:{لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون}‏(‏ آل عمران‏:71)‏

ومع دراسة اللغة بصورة أعمق يتبين لنا أن هناك أيضا أساليب إنشائية استعملت لإرادة الإنشاء‏.‏ وهذه تحتاج إلى ربط بالسياق وفهم عميق لمراد المتكلم‏.‏ فعندما يريد الله سبحانه وتعالى وهو العالم والعليم والعلام سؤالا‏,‏ فإنما يريد به أن يخبرنا بشيء ما‏,‏ لا أن يستفهم عنه لأنه سبحانه عليم بذات الصدور ويعلم ما في السماوات وما في الأرض‏,‏ فليس في حاجة للسؤال‏.‏ فعندما يقول‏:‏ {هل تعلم له سميا}‏‏ (مريم‏:65),‏ فكأنه قال‏:‏ انك لا تعلم له سميا‏.‏ وكذلك في القسم الثاني‏,‏ حيث نعني بالخبر الإنشاء‏,‏ فقد قال تعالي‏:‏ {إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}‏‏ (الأحزاب‏:56)‏ فتري المسلمين يقولون عند ذكر المصطفي‏:‏ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وهذه العبارة في حقيقتها خبر استفادوه من تلك الآية‏,‏ لكن هم يريدون به الدعاء والدعاء من باب الإنشاء لما فيه من الطلب‏.‏ فمرادهم أن يقولوا اللهم صلي على محمد‏.‏ ورأينا من اعترض من المحدثين على هذه الصيغة‏,‏ أعني صلي الله عليه وسلم‏,‏ لعدم علمه بهذه القاعدة من جواز استعمال أساليب خبرية لإرادة الإنشاء‏.‏ ومن هذا القبيل قوله تعالي‏:{والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين‏}(‏ البقرة‏:233),‏ وهو خبر لكنه مراد به ارضعن أولادكن‏,‏ فهو من قبيل الأمر الذي هو إنشاء‏.‏

ويمكن أن نجد أمثلة تصلح لأن تكون خبرا يراد به الخبر وان تكون أيضا قد يراد بها الإنشاء‏,‏ مثل قوله تعالى في شأن البيت الحرام أو الكعبة‏:{ومن دخله كان آمنا}(‏ آل عمران‏:97),‏ ومعناه امنوا من دخل فيه أو معناه أن الله سبحانه وتعالى قد خص من دخل الكعبة وقدر له هذا الشرف بأنه يكون آمنا يوم القيامة فهو من قبيل الخبر لأنه وعد، والوعد من الله لا يخلف‏,‏ {ومن أصدق من الله قيلا}‏ (النساء‏:122).‏

إن التفرقة بين الخبر والإنشاء على أهميته في اللغة العربية وأهمية التدرب عليه لفهم النصوص ولفهم كلام الناس وللقدرة على التعبير الصحيح‏,‏ إلا أنه ليس خاصا باللغة العربية بل إننا نجده في اللغة الإنجليزية مثلا،‏ ونرى الاهتمام البليغ به‏,‏ حيث اتفق البشر على أن وظيفة اللغة أساسية في الفهم وفي تراكم المعرفة وفي الجوار الحسن وفي الأمن الاجتماعي وفي التطور البشري‏,‏ فمن الحقائق التي لا نمل من تكرارها‏,‏ أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة‏.‏ ويلخص ذلك كله قوله تعالي‏:‏ {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}‏‏ (يوسف‏:2),‏ وقوله تعالي‏:‏ {بلسان عربي مبين}‏(‏ الشعراء‏:195),‏ وقوله‏:‏ {قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون‏}(‏ الزمر‏:28),‏ وقوله‏:‏ {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون}‏(‏ فصلت‏:3).

الأهرام 10 ديسمبر 2007

About these ads

3 أفكار على ”الخبر والإنشاء

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s