رحلة الألف يوم –أسامة الصادق


عندما تعود إلى منزلك بعد ثلاث سنوات!رحلة الألف يوم- أسامة الصادق

التاريخ يصنعه البسطاء –وما أكثرهم في بلادنا- كما يصنعه العظماء .. الفارق أن الفريق الأول لا يجد من يكتب عنه ويبرز ما فعله لكي يوضع في مصاف صانعي التاريخ،  بعكس العظماء أو المشاهير.  كما أن العظماء يصلون إلى مرتبة العظمة ربما بقرار اتخذوه في لحظة حاسمة، ولكن البسطاء  لا يصلون لها إلا من خلال تقديم أجسادهم وأرواحهم كتضحية,

عم جبر الرجل البسيط الذي كانوا يستغربون من ارتداءه  بذلته الصوف الثقيلة صيفا وشتاء، وإذا ما سئل عن ذلك أجاب ببساطة: “كده جبر وكده جبر.. صيف ايه وشتا ايه؟!”

أن تخرج من بيتك في مارس 67 فلا تعود إليه إلا في أبريل 70 هذا أمر، وأن تلقى مالاقى عم جبر في رحلته، فهذا أمر آخر تماما!

رحلة بدأت بحرية –ثم برية ثم نيلية ثم بالقطار.  رحلة استغرقت أسابيع على ظهر عوامة بدائية –من براميل عليها “مُلل” سرير- من أبو زنيمة بخليج السويس، وعلى ساحل البحر الأحمر حتى تصل إلى حميرة في أقصى جنوب مصر، ثم تهبط في أرض تلتقي عليها بأناس “يرطنون” بلغة لا تفهمها ويعيشون في الكهوف كالإنسان الأول!

أن تكون في واحدة من أكثر بقاع الأرض عزلة وهدوء تحرس امرأة ورضيعها وهم يلهون في مياه البحر الأحمر، وفي لحظات تفتح أبواب الجحيم من عدوان صهيوني يجعلك تستنفر كل قواك لتنجو بهذه المسكينة وطفلها. ولم تكن تعرف أن رحلتك معها ستستغرق ألف يوم كاملة!  تجوب فيها مناطق في مصر لا نعلم نحن عنها شيء.

تحيا حياة تشبه روبنسون كروزو أو حي بن يقظان .. أو بطل فيلم كاست أواي.. تُعمل كل مهاراتك للاستفادة من كل ما حولك في البيئة المحيطة.  مخلفات السفن التي قد تأنف في الظروف العادية من الاقتراب منها تتحول في عينيك هناك إلى كنز تجري عليه لتستخرج منه ما تحتاج.

عندما يعلمك الضب كيف تعالج جروحك!

وعندما يخفيك الماعز تحت قدميه فلا تقع عليك أعين من يبحثون عنك!

تمضي الأيام بعم جبر ومعه د. مادلين وتشاهد معهما عجب العجاب في مجتمع بدائي بكل  ما تحمله الكلمة من معاني. ثم تأتي لحظة الرحيل لتبدأ رحلة أخرى صحراوية مرعبة يمرون فيها بحلايب وشلاتين ثم بحيرة ناصر ثم بداية رحلة أكثر عصرية.  وفي النهاية ينجح عم جبر في الوصول إلى المنيا حيث سلم الأمانة-مادلين وابنها لأسرتها.. عم ميخائيل وزوجته المقدسة سارة.

ولكن الرحلة لم تنته. وانما هي مرحلة  .. إذ ألقته أقداره في السويس ليلتقي بمؤلف الكتاب الذي كان ملازما أول في حينها.

وهناك يشهد نوع آخر من الحياة تحت قصف الصهاينة في السويس التي هُجّر منهاأهلها.

و”شمس “.. الشاب الذي لا يعرف حقيقته أحد، والذي يجري هنا وهناك بين بيوت السويس ليساعد في الخفاء بما يستطيع تقديمه.. وحركاته البهلوانية وخفة حركته التي كانت تسمح له بالتلصص على العدو والعودة بمعلومات قيمة تساعد على الفتك بهم.

لن أتحدث عن الجانب الحربي أو العسكري من الرواية لإن أقوى التعبيرات ستكون ساذجة في وصف هؤلاء “الرجال”.. لذا فالحكم متروك لكل قارئ على حسب هواه وإنصافه.

هذه الرواية الحقيقية أكدت لي أن مصر التي تبدو وقد كتب على أهلها الشقاء، وعندما تنظر في وجوههم ترى السنين وقد شقت طريقها في تغاضين هذه الوجوه.. ولكن من قلب هذه البدائية والشقاء تجد أغرب وأجمل الأفعال وقد خرجت ببساطة دون حتى أن يشعر صاحبها بها لتنقذ حياة ولتصنع حياة.

رحم الله عم جبر الذي جبر بخاطرنا بقصته هذه ورزقه الجنة وهو وكل من عمل عملا طيبا لهذه الأرض القديمة الطيبة .. والذي أخذ منها العناد والمثابرة دون كلل أو يأس بالرغم من بساطته وكبر سنه، في نفس الوقت الذي ترى شبابا لم يمروا-حتى في أحلامهم- بمعشار ما مر به وقد تملكهم اليأس من البلاد والعباد!  كان يقف أمام الموت لا يملك سوى ايمانه بربه الذي سيهديه لما يبعد عنه شبح الموت الذي التقى به مرات ومرات.

عم جبر هو “عم بطاطا” الذي قال عنه الرائع جمال بخيت: “غصبن عنه يقف متكتف بس بكيفه يفك حباله.”  هو نفس المصري المتهم دائما بالجهل والخنوع ولكن في لحظة وبعفوية يقلب الموازين، فتعجز عن فهمه .. وتظل تتفحصه بشك: أيهما هي حقيقتك؟ الخنوع والاستسلام أم الثورة والاشتباك؟

“عم جبر” هو الشاطرة اللي بتغزل برجل حمار.

لو أن صناع الدراما في بلادنا لديهم من الوعي ما يدّعون لما أفلتوا مثل هذه القصة ليقدموها لنا!  وهي لن تكلفهم حتى أن يجهدوا خيالهم، ففيها من الخيال ما يعجز الشخص الطبيعي عن استيعابه.. وهم لا يجهدون أنفسهم أصلا في البحث عن مثل هذه الجواهر.

وهنا يأتي الشكر الواجب للعم العزيز  العميد أسامة الصادق الذي أكرمه الله بأن يكون جزءا من الجيش المصري في الحرب بداية من 67 وحتى 73 ثم لم يكتف بهذا بل بنى جسرا جديدا بيننا وبين أولئك العظماء المنسيين-للأسف- لنمشي عليه ونطّلع على ما فعلوه لنا، ونعرف جميلهم علينا،  لعلنا نستطيع أن نرد جزءا منه لهم ولو حتى من باب التعريف بهم.

ومرة أخرى أقولها لسيادة العميد أسامة الصادق: متعك الله بالصحة وبمزيد من رشاقة العبارات التي تطلعنا من خلالها على أثمن ما في أرضنا وهم “الرجال” الذين جهلناهم رغماً عنّا.

وأخيرا.. إذا كنت من محبي الملاحم فإليك واحدة..

Advertisements

4 تعليقات على “رحلة الألف يوم –أسامة الصادق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s