رحلة الألف يوم –أسامة الصادق


عندما تعود إلى منزلك بعد ثلاث سنوات!رحلة الألف يوم- أسامة الصادق

التاريخ يصنعه البسطاء –وما أكثرهم في بلادنا- كما يصنعه العظماء .. الفارق أن الفريق الأول لا يجد من يكتب عنه ويبرز ما فعله لكي يوضع في مصاف صانعي التاريخ،  بعكس العظماء أو المشاهير.  كما أن العظماء يصلون إلى مرتبة العظمة ربما بقرار اتخذوه في لحظة حاسمة، ولكن البسطاء  لا يصلون لها إلا من خلال تقديم أجسادهم وأرواحهم كتضحية,

عم جبر الرجل البسيط الذي كانوا يستغربون من ارتداءه  بذلته الصوف الثقيلة صيفا وشتاء، وإذا ما سئل عن ذلك أجاب ببساطة: “كده جبر وكده جبر.. صيف ايه وشتا ايه؟!”

أن تخرج من بيتك في مارس 67 فلا تعود إليه إلا في أبريل 70 هذا أمر، وأن تلقى مالاقى عم جبر في رحلته، فهذا أمر آخر تماما!

رحلة بدأت بحرية –ثم برية ثم نيلية ثم بالقطار.  رحلة استغرقت أسابيع على ظهر عوامة بدائية –من براميل عليها “مُلل” سرير- من أبو زنيمة بخليج السويس، وعلى ساحل البحر الأحمر حتى تصل إلى حميرة في أقصى جنوب مصر، ثم تهبط في أرض تلتقي عليها بأناس “يرطنون” بلغة لا تفهمها ويعيشون في الكهوف كالإنسان الأول!

أن تكون في واحدة من أكثر بقاع الأرض عزلة وهدوء تحرس امرأة ورضيعها وهم يلهون في مياه البحر الأحمر، وفي لحظات تفتح أبواب الجحيم من عدوان صهيوني يجعلك تستنفر كل قواك لتنجو بهذه المسكينة وطفلها. ولم تكن تعرف أن رحلتك معها ستستغرق ألف يوم كاملة!  تجوب فيها مناطق في مصر لا نعلم نحن عنها شيء.

تحيا حياة تشبه روبنسون كروزو أو حي بن يقظان .. أو بطل فيلم كاست أواي.. تُعمل كل مهاراتك للاستفادة من كل ما حولك في البيئة المحيطة.  مخلفات السفن التي قد تأنف في الظروف العادية من الاقتراب منها تتحول في عينيك هناك إلى كنز تجري عليه لتستخرج منه ما تحتاج.

عندما يعلمك الضب كيف تعالج جروحك!

وعندما يخفيك الماعز تحت قدميه فلا تقع عليك أعين من يبحثون عنك!

تمضي الأيام بعم جبر ومعه د. مادلين وتشاهد معهما عجب العجاب في مجتمع بدائي بكل  ما تحمله الكلمة من معاني. ثم تأتي لحظة الرحيل لتبدأ رحلة أخرى صحراوية مرعبة يمرون فيها بحلايب وشلاتين ثم بحيرة ناصر ثم بداية رحلة أكثر عصرية.  وفي النهاية ينجح عم جبر في الوصول إلى المنيا حيث سلم الأمانة-مادلين وابنها لأسرتها.. عم ميخائيل وزوجته المقدسة سارة.

ولكن الرحلة لم تنته. وانما هي مرحلة  .. إذ ألقته أقداره في السويس ليلتقي بمؤلف الكتاب الذي كان ملازما أول في حينها.

وهناك يشهد نوع آخر من الحياة تحت قصف الصهاينة في السويس التي هُجّر منهاأهلها.

و”شمس “.. الشاب الذي لا يعرف حقيقته أحد، والذي يجري هنا وهناك بين بيوت السويس ليساعد في الخفاء بما يستطيع تقديمه.. وحركاته البهلوانية وخفة حركته التي كانت تسمح له بالتلصص على العدو والعودة بمعلومات قيمة تساعد على الفتك بهم.

لن أتحدث عن الجانب الحربي أو العسكري من الرواية لإن أقوى التعبيرات ستكون ساذجة في وصف هؤلاء “الرجال”.. لذا فالحكم متروك لكل قارئ على حسب هواه وإنصافه.

هذه الرواية الحقيقية أكدت لي أن مصر التي تبدو وقد كتب على أهلها الشقاء، وعندما تنظر في وجوههم ترى السنين وقد شقت طريقها في تغاضين هذه الوجوه.. ولكن من قلب هذه البدائية والشقاء تجد أغرب وأجمل الأفعال وقد خرجت ببساطة دون حتى أن يشعر صاحبها بها لتنقذ حياة ولتصنع حياة.

رحم الله عم جبر الذي جبر بخاطرنا بقصته هذه ورزقه الجنة وهو وكل من عمل عملا طيبا لهذه الأرض القديمة الطيبة .. والذي أخذ منها العناد والمثابرة دون كلل أو يأس بالرغم من بساطته وكبر سنه، في نفس الوقت الذي ترى شبابا لم يمروا-حتى في أحلامهم- بمعشار ما مر به وقد تملكهم اليأس من البلاد والعباد!  كان يقف أمام الموت لا يملك سوى ايمانه بربه الذي سيهديه لما يبعد عنه شبح الموت الذي التقى به مرات ومرات.

عم جبر هو “عم بطاطا” الذي قال عنه الرائع جمال بخيت: “غصبن عنه يقف متكتف بس بكيفه يفك حباله.”  هو نفس المصري المتهم دائما بالجهل والخنوع ولكن في لحظة وبعفوية يقلب الموازين، فتعجز عن فهمه .. وتظل تتفحصه بشك: أيهما هي حقيقتك؟ الخنوع والاستسلام أم الثورة والاشتباك؟

“عم جبر” هو الشاطرة اللي بتغزل برجل حمار.

لو أن صناع الدراما في بلادنا لديهم من الوعي ما يدّعون لما أفلتوا مثل هذه القصة ليقدموها لنا!  وهي لن تكلفهم حتى أن يجهدوا خيالهم، ففيها من الخيال ما يعجز الشخص الطبيعي عن استيعابه.. وهم لا يجهدون أنفسهم أصلا في البحث عن مثل هذه الجواهر.

وهنا يأتي الشكر الواجب للعم العزيز  العميد أسامة الصادق الذي أكرمه الله بأن يكون جزءا من الجيش المصري في الحرب بداية من 67 وحتى 73 ثم لم يكتف بهذا بل بنى جسرا جديدا بيننا وبين أولئك العظماء المنسيين-للأسف- لنمشي عليه ونطّلع على ما فعلوه لنا، ونعرف جميلهم علينا،  لعلنا نستطيع أن نرد جزءا منه لهم ولو حتى من باب التعريف بهم.

ومرة أخرى أقولها لسيادة العميد أسامة الصادق: متعك الله بالصحة وبمزيد من رشاقة العبارات التي تطلعنا من خلالها على أثمن ما في أرضنا وهم “الرجال” الذين جهلناهم رغماً عنّا.

وأخيرا.. إذا كنت من محبي الملاحم فإليك واحدة..

Advertisements

برشامة الرئيس- د. ابراهيم شلبي


 

برشامة الرئيس، د. ابرهيم شلبي

برشامة الرئيس، د. ابرهيم شلبي

سعادتي باكتشاف كاتب جديد-بالنسبة لي طبعا- لها وجهان.  الوجه الأول هو وجه طفولي، فهي كمن وجد شيئا ثمينا وضمه لمجموعته.  والوجه الثاني هو الفرحة الشديدة باكتشاف عقل جديد يحمل فكرا وخيالا ومنطقا محترما، وقادر على بث كل هذا في كتاب يثري المكتبة العربية.

د, ابراهيم شلبي –بلا شك- هو اضافة للأدب العربي عموما والمصري خصوصا.  دلني عليه عناوينه المنصبة على مصر، وهذا الكتاب هو ثاني قراءاتي له.

هو ببساطة يحمل حبا كبيرا لهذا البلد الطيب – على كل عيوبه القاتلة. وبحكم كونه طبيبا للأورام وبحكم معايشته للواقع المصري، فهو يعرف الكثير عن أمراضه وعن سبل علاجها.

يتجول بك في جو خيالي في التاريخ ويعرفك على ساسة وأدباء وشعراء ونشطاء واقتصاديين، لتسمع من كل منهم تجربته الشخصية مع بلاده وكيف يمكن أن يستفيد منها الرئيس المصري القادم في حل مشكلات مصر العويصة، وذلك من خلال رسالة يرسلها كل منهم إلى هذا الرئيس.

هذا الكتاب يتضح لك كيف استطاع أن يستخدم ثقافته في صياغة الموضوع بشكل شيق. ومهارة اختيار الشخصيات التي برع كل منها في جانب تحتاج مصر إلى علاجه سواء السياسة أو الاقتصاد أو التعليم… الخ.  فهو لم يعتمد على شهرة الشخصيات، فبعضهم قد تكون هذه هي المرة الأولى التي تعرف عنه.

واحدة وعشرون شخصية بواحد وعشرين رسالة،  واحدة منهم فقط هي المصرية وصاحبها الحكيم المصري ايمحتب والذي كان وزيرا لزوسر، وكان صاحب آخر رسالة.

الشخصيات كلها مميزة، وإن استوقفني بشكل خاص “لي كوان يو” أول رئيس وزراء لسنغافورة والذي نقل بلده لمصاف الدول المتقدمة بالرغم من اتهام البعض له بالديكتاتورية.   بالإضافة إلى الفارابي وثيودور روزفلت ورفيق الحريري.

الأسلوب رشيق، والعبارات سهلة، وجرعة الأمل كبيرة، فكما نجح الآخرون سننجح نحن إن شاء الله.

د. ابراهيم شلبي علم جديد يضاف إلى أعلام بلادي الذين أفخر بهم، من الأطباء الأدباء مثل د. مصطفى محمود ود.محمد كامل حسين- رحمهما الله تعالى.

نزول النقطة- الاستمرارية والتغير في مصر


 

جمال الغيطاني هو أحد حبات عقد ثمين من المتبحرين في مصر بعشق.  هو عندي مثل د. جمال حمدان ود. نعمات أحمد فؤاد ود. وسيم السيسي وغيرهم من أولئك الذين يعرفون مصر حتى النخاع.  نزول النقطة- جمال الغيطانيوبالبلدي “يعرفون أصلها وفصلها”.  تجد نفسك لا تملك إلا أن تهرع إليهم وقت الأزمات، خاصة عندما تشعر أن ملامح هذا البلد قد بدأت في الذوبان.

“نزول النقطة” كتاب يبحث في أصل الأشياء.  وكل شيء يبدأ بنقطة .. هي نقطة البداية.

يعرض بداية شيء ما في مصر في عصر ما واستمراره عبر عصورها الكثيرة والممتدة.  تجده يوضح علاقات –قد تبدو غريبة للبعض- بين أشياء تفصل بينها قرون طويلة.  فما العلاقة بين قصة أوزوريس والسيد المسيح وسيدنا الحسين؟

يقول: “دائما أحاول رؤية الأشياء بعيني الإنسان في زمن لم أعرفه، لم أسع فيه,  لكن عند أي زمن أتوقف؟”

ما سر الدائرة التي هي عنصر أساسي في الزخارف المصرية قبطية أو اسلامية أو يهودية؟

ما ذلك الهرم بما يتسم به من “التدرج الدافق المنبئ بالحركة، وبالزيادة التي ستصير إلى نقصان، أحد أهم معالم الرؤية المصرية”؟

يحدثك عن “اللغة المصرية القديمة والخط الهيروغليفي تحديدا والذي كان يعرف بين  العرب بقلم الطير لتكرار صور الطيور به.”

يحدثك عن الأم التي تملس على جبين طفلها وهي تردد اسم الله قائلة: “اسم الله عليك وعلى خيّتك اللي أحسن منك” والمقصود هنا القرين، وهذا معتقد مصري قديم.  فلكل منا قرينه الذي لا يرى يعيش في وجود ما غير مرئي.  وما يجري له في المنظور يجري لقرينه في اللامنظور، لذلك كانت الأم تذكر اسم الله بالنسبة للاثنين.”

هل تعرف أن “تحوت أول مهندس ومبتكر للطب وأول من تفلسف والذي يعرفه اليونانيون بهرمس الحكيم” وهو سر تسمية الطبيب في العامية المصرية ب”الحكيم”.

يجيبك على أصل تسمية بلدان مثل أبو صير وأبيدوس وأخميم وغيرها.

انها رحلة قطعها الغيطاني في تاريخ مصر منذ نقطة البداية باحثاً عن عناصر التغير والاستمرارية في مصر، لعلنا نفهمها.

الكتاب 136 ص- صادر عن دار أخبار اليوم

تأملات في حياتنا- د. عزة العشماوي


عزة العشماوي، تأملات في حياتنا، مكتبة الشروق الدولية

عزة العشماوي، تأملات في حياتنا، مكتبة الشروق الدولية

 

انضمت عزة العشماوي إلى قائمة كاتباتي المفضلات بكتابها هذا “تأملات في حياتنا”.  هذا الكتاب الصغير الذي قد لا يلفت انتباه البعض.  وإن كانت د. عزة العشماوي معروفة بترجمتها لكتاب “الرجال من المريخ والنساء من الزهرة” – طبعة دار الهلال. وهي أفضل ترجمة عربية لهذا الكتاب-في رأيي.

هي من أصحاب المنطق المحترم والقدرة على التعبير بسلاسة عن أفكار عميقة.

تكمن براعة الكتاب في انه مناسب لكل الأعمار، فهو يخاطب الجميع وإن كانت النساء ستستفدن منه أكثر.  تناولت فيه موضوعات حياتية كثيرة بداية من اختيار الزوج أو الزوجة لتربية الأطفال مرورا بالتدخل في حياة الأبناء وحتى الملل وفقدان الهوية.

ثلاثون موضوعا قصيرا تحفل بهم حياة كل واحد منا، أبدت فيهم وجهة نظرها التي أرى أن أكثر مايميزها هو عمليتها. فهي تتكلم في الصميم؛ لا شعارات ولا رومانسية مفرطة ولا واقعية جافة.

في الكتاب عبارات كثيرة تستحق الاقتباس، أكتفي بواحدة فقط هنا:

“ليس المطلوب منك أن تبرع في العمل الذي تؤديه، المطلوب منك أن تؤدي العمل بإخلاص قدر طاقتك، ليس المهم أن تكون الأول أو الوحيد، لكن المهم أن تكون جزءا من الجماعة، جماعة يقدم كل من فيها ما يمكنه.  قد تنجح أحيانا وقد تفشل مرات، لكنك على الأقل ستظل على قيد الحياة،  إنسانا لوجوده معنىً، إنسانا ترك أثراً، ولو قليلاً على طريق الحياة.”

باختصار.. هو كتاب يستحق القراءة.  وما أن تبدأ فيه حتى ستجد صفحاته تفر سريعاً بين أناملك.

الكتاب 168 صفحة- الناشر: دار الشروق الدولية

بالحضارة لا بالسياسة… قبل أن ينفد الصبر!


د. نعمات أحمد فؤاد

د. نعمات أحمد فؤاد

د. نعمات أحمد فؤاد

المبهرة بعذوبتها د. نعمات أحمد فؤاد… فلا أجمل من أن تقرأ لهذه المتيّمة بمصر.  وعندما تريد أن تعرف عن مصر تاريخا وحضارة وواقعا فلا يجب أن تضل طريقك عنها.

على رقة هذه الجميلة، تجدها تدق الأرض بقدميها برفض غاضب عندما يتسآل أحدهم: “وهل لمصر في العصر الحديث انجازات؟” ثم تغرس قلمها في مداد نبعه نيل مصر لترد بثبات العالِم وثقته، مستدعية لومضات من تاريخ مصر الطويل وبما قدمته في جميع المجالات .. هندسة وقانون وتعليم… الخ

وتقول: “مصر لم تفقد شيئا من خصائصها ومنها المقاومة والعطاء، ولكن الضيق بالقهر وتواليه تغيب معه الرؤية وتغيم المرئيات.”

وعندما يُتهم المصري بالخنوع والخضوع تقول من فهمت هذا المصري الذي أعجز الكثير عن فهمه:

“إثنان يثور لهما الشعب المصري الزارع أعتى ما تكون الثورة … إذا مس عرضه أو مس في رزقه.  أما الحكم فلا يعنيه كثيرا… إن قصارى ما يطلبه الشعب المصري من الحاكم، العدل أو عدم الجور على الأقل.”

وعن المصري أيضا تقول: “ذلك الشعب الذي كان يقول عند التهديد أو الوعيد: يعني المدنة هتقع ولاّ البحر هيجري مقبل؟” أي لا يهمه إلا الدين الذي ترمز اليه المئذنة والنيل الذي يسميه البحر إذا غير اتجاهه وجرى من الشمال إلى الجنوب.”

وتقول: “هذا الشعب الذي يغمزه الغريب، ويتعتب القريب، بغمزه بعدم المقاومة، خرجت منه أول ثورة شعبية في التاريخ، ثورة منف في الدولة القديمة الفرعونية في الأسرة الخامسة في عهد الملك أوناس.”

ولمن يقول مصر كغيرها من البلاد، ترد: “لقد كان صلاح الدين في سوريا وابن عمه ملكاً عليها واجتاحها الصليبيون واستولوا على بيت المقدس، فلماذا لم ينتصر صلاح الدين في سوريا؟  إذن انتصاره في مصر وراءه عوامل مصرية.”

وبقدر حبها لمصر وذوبانها فيها بقدر معرفتها بعيوبها ومشاكلها، فلا تتورع عن ابرازها بوضوح ثم الدخول في معارك شهيرة ومعروفة على مدى عمرها دون كلل، ومنها معركة النفايات الذرية ومشروع هضبة الأهرام… الخ.

إذاً هي ليست في برج عاجي… لأن من يقرأ كلامها يشعر بأنها شاعرة حالمة ومدلهة بحب هذه الأرض.

تجدها تتحدث عن حكم الفرد أو الحكم السلطوي في مصر والعالم، وتوظيف الدين في السياسة، والأقباط والمسلمون، الإعلام والإعلام المضاد، حكم الفرد والأمراض الاجتماعية واستعمال القوى البشرية، وفي النهاية: القضية واقتراح خطوط عريضة لحل المشكلات التي تراها.

تقول تلك الجميلة التي لا تقبل إلا بمصر كاملة بتاريخها الممتد من يوم خلقها إلى يومنا هذا فتقول:

“نحن لا نفرط في يوم واحد من عمر مصر ولا في عطاء واحد من معطياتها وعطاءاتها وحضارتها، فمصر عندها هي مصر الفرعونية ومصر المسيحية ومصر الإسلامية ومصر الحديثة في يقين عقلي ووجداني جامع وشامل.”

للرانين بأنظارهم والمتعلقة أعناقهم بالغرب والشائحين بوجوههم بعيدا عن أرضهم تقول:

“فمن لا ماضي له يتيم حضاريا، فقير معنويا وإن كان أغنى الأغنياء.”

لمحبي مصر ولفاقدي الأمل فيهاكان هذا الكتاب…

صادر عن دار نهضة مصر- 135 ص

الرفاعي- جمال الغيطاني


العميد أركان حرب ابراهيم السيد الرفاعي

العميد أركان حرب ابراهيم السيد الرفاعي

كلمة الرفاعي في الموروث الشعبي المصري تشير إلى ذلك الشخص الخبير في اجتذاب الأفاعي والقضاء عليها. ويبدو أن مقولة “إن كل منا له نصيب من اسمه صحيحة”، فهاهي تصدق مع العميد أركان حرب ابراهيم الرفاعي- رحمه الله- الذي يمكن تسميته برفاعي الصهاينة. 

هو أحد أساطير الجيش المصري في حرب اكتوبر 1973 والذي ذهب إلى بارئه بعد رحلة قصيرة في هذا العالم، طبقت شهرته خلالها الآفاق في الوسط العسكري وكانت سيرته تُتداول كالمعجزة بين من يعرفونه.

“إنه جاء إلى الدنيا ليقاتل دفاعاً عن كل الذين مر بهم وعرفهم أو مشوا معه وحاوروه في تلك القرى والمدن، عن كل من يعيشون في هذه المساحات التي طار فوقها بالهليوكوبتر وبالأنتينوف وبالأليوشن، كل من رآهم يرشفون الشاي في المقاهي…”

وهو الرفاعي الذي قال عنه الضابط بهيئة الأركان: “إن الرفاعي قلبه أطلس حي لمصر… فهو يعرف المدن من أضوائها عندما تبدو للمحلق بالطائرة، ومن أهلة مآذنها ومبانيها.  كما يعرف المحافظات من تعرجات النيل وضيق واتساع المساحة الخضراء.  في الهليوكوبتر يعرف بعد كم من الثواني ستشهق قمة جبلية، وأي الممرات تخلو من دوامات الهواء.  يشم هبوب العاصفة، ويدرك من لون السماء متى يجيء المطر؟”

الغيطاني مربك في أسلوبه بالنسبة لي. ولكن حبي للشخصية ولحرارة شعور الغيطاني في الوصف جعلني أمضي في القراءة رغم عجزي عن تخيل المواقف وتركيب المشاهد بشكل متكامل.

مضيت حتى وصلت إلى آخر 20 صفحة –من إجمالي 120 صفحة للكتاب- وهي النقطة التي يصعب عندها منع الدموع من الانهمار إزاء كلمات كهذه:

“قولي لمن تلتقين به إن في مصر رجالا قادرين على هزيمة العدو” وهي الجملة التي كتبها في رسالة موجزة لزوجته يوم خرج من بيته يوم السادس من اكتوبر 1973 وقد وافته المنية بشظية صغيرة اخترقت القلب مباشرة في 19 اكتوبر 1973.

الرفاعي مؤسس وقائد المجموعة 39 قتال –نسبة إلى قيامها بتسع وثلاثين عملية قتالية. وهي المجموعة الاستثنائية في تاريخ العسكرية المصرية. والتي اعتبره كل فرد من أفرادها أبا له، يخرج أفضل ما فيه من قدرات ويشجعه ويرعاه بل ويدافع عنه.

عندما تعرف عن هؤلاء وكيف كانوا وعاشوا ثم كيف ذهبوا تشعر لأول وهلة بالأسى لخلو العالم من أمثالهم بهذه السرعة، وكأن الأرض لا تتحمل صدقهم على سطحها!  ولكن بشيء من التعقل وإعادة التفكير تجد نفسك تحمد الله على أنه يخرج لنا من آن لآخر شهاب كهذا يومض في السماء لبرهة في عمر الزمان.  ومضة لا تذهب هباء، بل تظل مضيئة وهادية لمن أسعده الحظ برؤيتها ومعرفتها.

“من ملامحه كانت تولد الابتسامة من قلب الموت كما تنمو الزهور فوق القبور.”

“إنه الآن طائر من بين الناس، وإنه علا كالصقر ولم يعد فوق الأرض إلى حين.”

انه الرفاعي الذي كان صدق فعله يدفع سامعه إلى تصديق قوله، وذلك عندما يعلّم من حوله معنى كلمة “وطن” والدفاع عنه…

“عندما قال ضابط احتياطي من حملة المؤهلات ان مستقبله ضاع بسبب الجيش، وأنه كان مرشحا لبعثة إلى أوروبا، فأشار الرفاعي إلى الشرق وسأه من يطرد هؤلاء؟  ثم قال: وهل نستورد رجالا ليحاربوا لنا؟  ثم قال: لو تركنا العدو فلن يظل مكانه، انما سيجئ لأنه يطمع في هذا الفول الأخضر، ومد يده والقتلع عودا من النبات الأخضر.  سأله الرفاعي: هل نمشي كلنا ونتركه يمضي إلى بيتك وبيتي وأختك وأختي؟ قال الشاب: لا. قال الرفاعي: أنت قلتها بنفسك.”

ولأن الإهمال من الآفات البشرية القاتلة ناهيك عما إذا كان في المجال العسكري…

“وفي أحد الأيام زعق لأحدهم لأن زرار قميصه مقطوع. قال: إن من ينسى زرار القميص فإنه ينسى تركيب كبسولة التفجير. هكذا يروح الجهد ويضيع.”

مثل الرفاعي هم من يجعلون المرء يفكر أن هناك من كُتب عليهم أن يعيشوا رجالا ويموتوا بشرف.  ولأن الموت بشرف قَدَر لا يناله إلا من يستحق ربما لهذا السبب رحل الرفاعي –رحمه الله- هكذا ليظل في نفوس من عرفوه وسمعوه، وكما قال الغيطاني على لسان أبو الفضل أحد أفراد مجموعة 39 قتال: “كان سكنه في العمر وضريحه في قلبي.”

اللهم ارحمهم جميعا، وجازهم عنا خير الجزاء، وازرقنا الموت بشرف في سبيلك كالذين سبقونا إليك. 

الكتاب صادر عن دار الشروق- 120 صفحة 

غلاف رواية الرفاعي- جمال الغيطاني

غلاف رواية الرفاعي- جمال الغيطاني

المكتبة ليلاً- ألبرتو مانجويل


The Library at Night المكتبة ليلا

إذا عشِقْنا بحق تنفس الجماد، ونُفخت فيه روح أكسبته أبعادا تفوق أبعاده الثلاثية التقليدية، فندور حوله في تأمل وإعجاب، لنرى فيه ما لا يراه الآخرون.

هذا ما فعله ألبرتو مانجويل في كتابه الرائع المكتبة ليلاً The Library at Night  فهو يصحبك على صفحاته في رحلة تأمله لمعشوقته – المكتبة- لينبئك بخبرته عن أغرب أحوالها.  ولا ينبأك مثل خبير. فتجده يتكلم عن المكتبة كأسطورة وكنظام وكقوة وكظل، حتى يصل إلى المكتبة كبيت.

مع ما مايملكه مانجويل من سعة اطلاع تجد نفسك وقد طفت العالم تاريخيا وجغرافيا… فمن مكتبة الإسكندرية القديمة إلى الحديثة,,, ومن مكتبات المشرق المتقدم في الماضي إلى مكتبات الغرب المتقدم الآن.  لن تتعرف فقط على قصص الكتّاب والفنانين مع الكتب، بل وكذا مجرمي الكتب!

 يبدو لي مانجويل في كتابه هذا كمن دخل غرفة بداخلي تغرق في الظلام، لا يبدو من محتوياتها سوى خيالات غير محددة المعالم، فأتى هو بمصباح هادئ ليخرج بنوره تلك الخيالات إلى النور لأراها وأدرك وجودها وأفهم تلك الأشياء التي كنت أشعر بها ولا أحسن التعبير عنها!

أدركت مع مانجويل معنى أن تكون Book whisperer  أو “هامس الكتب” .. تتبادل معها حوارا هامسا لا يفهمه سواكم!

أدركت وجود تلك الشبكة الخفية التي تربط بين كتب مكتبتي، تجعل كل منهم ينادي على الآخر ليستعد لأخذ دوره في قائمة قراءتي ليكملوا لي الموضوع الذي أبحث فيه في هذه الفترة.  فما أن أقف أمام مكتبتي حتى أشعر بالفعل بنداء خفي يشد يدي لسحب كتاب أو كتب بعينها، وربما هي التي تلقي بنفسها بين أناملي… لا أدري!

هذا بدوره أفهمني لماذا قد يظل كتاب ما على الرف لسنوات في انتظاري، بالرغم من انه دخل مكتبتي بعد رحلة بحث مني ربما استمرت لسنوات، ولكن هذا لأن أوانه لم يأت بعد.  فقراءته في أوانه تضاعف قيمته أضعافا مضاعفة.

يقول مانجويل:

“أعلم أن كتبي تملك صبرا لا حدود له، وستنتظرني إلى آخر أيام عمري.  فهي لا تطلب مني أن أعرفها كلها، كما انها لا تستعجلني لكي أكون واحدا من خبراء التعامل مع الكتب.”  وهنا سامحت نفسي على ما كنت أظنه هجراناً لكتبي!

يقول مانجويل:

“في الكتب الكثير من الصفات الباعثة على الفرحة لأولئك الذين يحسنون اختيارها.”

مع مانجويل أدركت لماذا أرتب كتبي بهذا الشكل الذي قد لا يبدو مقنعاً في نظر الآخرين، فترتيب المكتبة ما هو إلا مرآة تعكس ترتيبها في عقلي!

مع مانجويل عرفت كيف يمكن للمرء أن يختار أجداده!  فاختيارك لمن تقرأ يجعلك تصنع لنفسك شجرة عائلة جديدة. فمن تقرأ لهم فقد ورثت عنهم، وأصبحوا من أصول شجرة عائلتك بل وجزء من تاريخك.  فكما تتكون الجينات من الميراث الجيني للأجداد كذلك تتكون العقول من الميراث العقلي لأجدادنا… أولئك الذين نقرأ لهم ونرث عنهم فكراً.

مع مانجويل أدركت لماذا أنفر من القراءة الالكترونية-إلا للضرورة القصوى.  إنه الافتقاد الى الرابطة الحميمية بين كائنين واقعيين.. أنا وكتابي، وليس كائن واقعي وآخر افتراضي!

يقول مانجويل:

“نختار ممرا معيناً نمشي فيه بين أرفف لانهائية داخل مكتبة ما، فنختار هذا الكتاب أو ذاك لغير سبب واضح.  ربما بسبب الغلاف أو العنوان أو الاسم.  ربما بسبب شيء قاله أحدهم أو لم يقله!  ربما لحدس أو لنزوة أو لخطأ ما… ربما لأننا نظن أننا سنجد في هذا الكتاب قصة أو شخصية أو تفصيلة معينة.  ربما لأننا نعتقد أن هذا الكتاب كُتب من أجلنا، أو لأننا تعتقد أنه كتب لكل الناس ماعدانا، ولذلك نود أن نعرف سبب استبعادنا.  ربما لأننا نريد أن نتعلم أو نضحك أو حتى أن نصبح في طي النسيان!”

يقول مانجويل:

“الكلمات تجلب النور إلى الوجود.  في النور نقرأ وفي الظلام نتكلم!”  ومانجويل جلب لنا النور بكلماته فأخرج لنا هذا الكتاب الذي يمكن تلخيص فكرته في أنه دراسة في عبقرية المكان … عبقرية المكتبة.